قرار شركة ميرسك الدنماركية بتعليق المرور عبر قناة السويس ومضيق باب المندب يعيد المخاوف بشأن الملاحة في البحر الأحمر وتأثيرها على الاقتصاد المصري
القاهرة – المنشر الإخبارى
في ضربة جديدة للاقتصاد المصري وأحد أهم الممرات البحرية العالمية، أعلنت شركة ميرسك الدنماركية، أكبر مشغل لسفن الحاويات في العالم، عن تعليق مرور سفنها عبر قناة السويس ومضيق باب المندب مؤقتًا، في خطوة أعادت المخاوف بشأن الملاحة في البحر الأحمر وتأثيرها على التجارة الدولية
وقالت الشركة، التي تُعد أكبر مشغل لسفن الحاويات على مستوى العالم، في بيان رسمي إنها قررت تعديل مسارات بعض رحلاتها البحرية نتيجة ظروف تشغيلية معقدة في المنطقة، مؤكدة أن القرار يأتي في إطار تقييمات أمنية وملاحية مستمرة.
مسارات بحرية بديلة
وبحسب البيان، ستتجه السفن التي تنقل البضائع من الشرق الأوسط إلى الهند عبر مسار البحر المتوسط، بينما ستسلك السفن المتجهة إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة طريقًا أطول يمر عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب القارة الأفريقية.
وأوضحت الشركة أنها ستوقف مؤقتًا عبور سفنها عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، لكنها ستواصل قبول الشحنات المتجهة إلى دول الشرق الأوسط ضمن شبكتها التجارية العالمية.
أسباب القرار
وأرجعت ميرسك قرارها إلى ما وصفته بـ“قيود غير متوقعة مرتبطة ببيئة العمليات في المنطقة”، مشيرة إلى أن المشاورات مع شركاء أمنيين وشركات متخصصة في تقييم المخاطر أظهرت صعوبة تفادي التأخيرات المحتملة خلال عبور السفن في المسار التقليدي.
ورغم أن الشركة لم تكشف بالتفصيل عن طبيعة هذه القيود، فإن مراقبين يرون أن التطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة، بما في ذلك التوترات العسكرية والتصعيد في البحر الأحمر، تلقي بظلالها على قرارات شركات النقل البحري العالمية.
انتكاسة بعد عودة محدودة
ويأتي هذا القرار بعد أقل من شهرين فقط من إعلان ميرسك في يناير الماضي عودة تدريجية لبعض خدماتها عبر قناة السويس، وهي الخطوة التي اعتبرها كثير من الخبراء بداية محتملة لتعافي حركة الملاحة في هذا الممر الحيوي.
فمنذ أواخر عام 2023، تعرضت حركة الشحن في البحر الأحمر لاضطرابات كبيرة بعد استهداف سفن تجارية في المنطقة، ما دفع العديد من شركات الشحن إلى تحويل مسارات سفنها إلى الطريق الأطول حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح.
وقد تسبب ذلك في تأخير وصول البضائع وزيادة تكاليف النقل البحري، فضلًا عن اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد العالمية.
أهمية قناة السويس
تمثل قناة السويس أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، حيث تربط بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، وتشكل أقصر طريق بحري بين آسيا وأوروبا.
ويوفر المرور عبر القناة اختصارًا كبيرًا في زمن الرحلات البحرية، إذ يقلل مدة السفر بما يتراوح بين عشرة وأربعة عشر يومًا مقارنة بالالتفاف حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح.
كما يسهم هذا المسار الأقصر في تقليل استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية، ما يجعله خيارًا اقتصاديًا وبيئيًا مفضلًا لشركات النقل البحري.
انعكاسات على الاقتصاد المصري
تمثل عوائد قناة السويس أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر، إلى جانب السياحة وتحويلات المصريين العاملين في الخارج.
وخلال العامين الماضيين، تراجعت إيرادات القناة نتيجة تحويل عدد كبير من السفن مساراته إلى الطريق الجنوبي حول أفريقيا، وهو ما انعكس على حركة العبور اليومية داخل المجرى الملاحي.
ويرى خبراء النقل البحري أن استمرار هذه التحويلات قد يضغط على إيرادات القناة في المدى القريب، خصوصًا إذا قررت شركات شحن أخرى اتباع خطوة ميرسك وتحويل مسارات سفنها.
تأثيرات على التجارة العالمية
لا يقتصر تأثير القرار على مصر وحدها، بل يمتد إلى حركة التجارة العالمية بأكملها، إذ يؤدي تغيير مسارات السفن إلى زيادة زمن الرحلات البحرية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
كما يمكن أن ينعكس ذلك على أسعار السلع في الأسواق العالمية، خصوصًا مع اعتماد العديد من الصناعات على وصول المواد الخام والبضائع في مواعيد دقيقة.
ويرى محللون أن استمرار التوترات في البحر الأحمر قد يدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم استراتيجياتها اللوجستية، وهو ما قد يغير خريطة طرق التجارة البحرية في العالم مؤقتًا.
مستقبل الملاحة في المنطقة
يبقى استقرار حركة الملاحة في البحر الأحمر مرتبطًا بتطور الأوضاع الأمنية في المنطقة، إذ تعتمد شركات الشحن في قراراتها على تقييمات المخاطر الصادرة عن شركات التأمين والجهات البحرية الدولية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو خطوة ميرسك مؤشرًا على أن شركات النقل البحري ما زالت تتعامل بحذر مع الوضع في الممرات البحرية الحيوية، في انتظار تحسن الظروف الأمنية وعودة الثقة الكاملة في الملاحة عبر قناة السويس.










