وسائل إعلام وتحليلات دولية بارزة سلّطت الضوء خلال الأسابيع الأخيرة على الدور المصرى بوصفه «الحلقة الأكثر ثباتاً» فى معادلة إحلال التهدئة وإدارة ملفات السلام فى إقليم الشرق الأوسط، من غزة إلى إيران، وسط إشادات متكررة بقدرة القاهرة على الجمع بين خطوط اتصال مفتوحة مع جميع الأطراف وحسابات أمن قومى صارمة تجعل من الاستقرار الإقليمى أولوية لا تقل عن أى مكسب سياسى.
عديد من التحليلات الغربية اعتبرت أن قطاع غزة يظل «مفتاح فهم»
صعود الدور المصرى مجدداً، بحكم الحدود المشتركة عبر معبر رفح، وخطر امتداد الفوضى إلى سيناء، وحساسية الملف فلسطينياً وعربياً.
مراكز بحث وصحف أجنبية أشارت إلى أن القاهرة نجحت، منذ حرب غزة الأخيرة وتوقيع خطة السلام التى عُرفت إعلامياً بـ«خطة ترامب ذات النقاط العشرين»، فى تثبيت نفسها كوسيط لا يمكن تجاوزه بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، من خلال إدارة المعبر، وضمان تدفق المساعدات، والضغط على الفصائل للالتزام بالتهدئة، والتنسيق الأمنى مع تل أبيب لاحتواء أى خروقات.
وسائل إعلام دولية رصدت كذلك استضافة مصر قمم واجتماعات حاسمة فى شرم الشيخ والقاهرة، جمعت قادة الولايات المتحدة وتركيا وقطر وقوى إقليمية ودولية أخرى، للتوقيع على اتفاقات وقف إطلاق النار وترتيبات ما بعد الحرب فى غزة، معتبرة أن هذه المؤتمرات مثّلت عودة قوية للدبلوماسية المصرية إلى واجهة مشهد السلام العربى الإسرائيلى بعد سنوات من التراجع النسبى.
تقارير أخرى توقفت عند «الهندسة الدقيقة» لدور مصر: الحفاظ على صورتها كمدافع عن الحقوق الفلسطينية عربياً، مع العمل فى الوقت نفسه كطرف شريك لواشنطن فى منع تصفية القضية تحت عناوين «إدارة الصراع» أو «السلام الاقتصادى»، وهى معادلة وصفها بعض الكتّاب بأنها محاولة للجمع بين الشرعية الشعبية والبراغماتية الدولية.
وساطة بين واشنطن وطهران.. سلام «ما قبل الانفجار»
مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران على خلفية الضربات المتبادلة والحرب فى الإقليم، برزت القاهرة فى عدد من التقارير كوسيط «هادئ» يتحرك بعيداً عن الأضواء لفتح قنوات اتصال وخفض التصعيد، بالتوازى مع أدوار عُمان وقطر.
صحف ومراكز أبحاث رصدت مكالمات واتصالات مباشرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، شدد خلالها الجانب المصرى – بحسب ما نُشر – على رفض التصعيد الإسرائيلى ضد إيران وضرورة وقف النار والعودة إلى مسار تفاوضى يحمى أمن المنطقة، مع إعادة التذكير بأن الحل الجذرى يظل مرتبطاً بتسوية عادلة للقضية الفلسطينية وفق حل الدولتين.
تحليلات أخرى تناولت تحركات وزير الخارجية المصرى وتنسيقه مع نظرائه الإقليميين والدوليين، والدعم المصرى لاستئناف محادثات أمريكية إيرانية غير مباشرة بوساطة عُمانية، باعتبار أن انفجار مواجهة شاملة بين واشنطن وطهران ستكون له كلفة عالية على أمن البحر الأحمر، والقناة، وأسعار الطاقة، ومن ثم على الاستقرار الاقتصادى المصرى والعربى.
هذه التحركات دفعت بعض المراقبين إلى وصف القاهرة بأنها «شريك صامت» فى محاولة تجنب حرب كبرى، يعمل من منطلق مصلحى بحت لكن نتيجته المرجوة – إذا نجحت – ستكون إخماد واحدة من أخطر بؤر التوتر فى الشرق الأوسط.
صورة مصر فى تقارير المراكز البحثية
ورقة تحليلية حديثة تناولت مكانة مصر فى خريطة الشرق الأوسط وشرق أفريقيا لعام 2026، واعتبرت أن ما يحدث فى الإقليم أشبه بـ«فوضى مُدارة»، تلعب فيها القاهرة دوراً محورياً فى منع انزلاق هذه الفوضى إلى حدودها وممراتها المائية.
الدراسة نفسها أضافت أن الربط بين الأمن فى غزة وسيناء والبحر الأحمر جعل من مصر «ضامناً إقليمياً» لتماسك خطوط الملاحة والطاقة والتجارة، وهو ما يفسّر إصرار القوى الكبرى على إشراكها فى معظم المبادرات المتعلقة بوقف إطلاق النار، وترتيبات إعادة الإعمار، والحديث عن قوات دولية أو إقليمية للفصل وضمان الاستقرار.
مراكز أخرى ركزت على أن علاقة القاهرة الوثيقة بالإدارة الأمريكية الحالية، ومعاهدة السلام مع إسرائيل، وعلاقاتها مع أطراف عربية متباينة المواقف (من قطر وتركيا إلى السعودية والإمارات)، تجعلها قادرة على التحدث «لغة مفهومة» مع كل طرف، وهو ما يصعب توفره فى عواصم أخرى داخل المنطقة.
فى المقابل، لا تخلو هذه التحليلات من انتقادات؛ بعضها يرى أن الدور المصرى يظل «أمنياً أكثر منه سياسياً»، يركز على منع الانفجار وحماية الحدود أكثر من دفع مسار سياسى شامل نحو حل نهائى للنزاعات، فيما تشير أصوات أخرى إلى أن حجم التحديات الاقتصادية الداخلية قد يحد من قدرة القاهرة على ترجمة دورها الإقليمى إلى نفوذ مستدام.
بين الإشادة والأسئلة المفتوحة
الملفت فى تغطية الإعلام الأجنبى أن الإشادة بالدور المصرى لا تأتى بمعزل عن طرح أسئلة صعبة حول مستقبل هذا الدور وحدوده؛ فبعض المقالات تتساءل: هل تستطيع القاهرة الحفاظ على صورتها كوسيط موثوق إذا ما تعثرت اتفاقات غزة أو تجددت المواجهات على نطاق أوسع؟
تقارير أخرى تربط بين نجاح مصر كقوة استقرار إقليمى وبين قدرتها على مواصلة سياسة خارجية متوازنة، لا تنجر بالكامل إلى محاور متصارعة، مع الحفاظ على هامش مناورة يسمح لها بالتحدث مع واشنطن وطهران وتل أبيب وغزة والعواصم العربية فى آن واحد.
فى النهاية، تعكس الصورة التى ترسمها وسائل الإعلام الأجنبية لمصر اليوم مزيجاً من الإقرار بواقع أنها عادت لاعباً مركزياً فى خرائط التهدئة والسلام بالشرق الأوسط، ومن الترقب لمدى قدرتها على تحويل هذه اللحظة إلى مسار طويل المدى يضع المنطقة على طريق تسويات أكثر رسوخاً وعدلاً، لا مجرد هدن مؤقتة بين جولات صراع جديدة.
هل ترغب فى تقارير لاحقة تركز أكثر على تحليل تغطية وسيلة بعينها (مثل الصحافة الأمريكية أو الأوروبية) لدور مصر، أم على مقارنة بين صور مصر فى الإعلام الغربى والعربى معاً؟










