المنشر الاخباري- الأربعاء، 4 مارس 2026: في الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتشتد الأزمة حول مضيق هرمز، يطرح البروفيسور جيانغ شيويه تشين، الأكاديمي الصيني الكندي المقيم في كندا والمعروف بتحليلاته الجيوسياسية الدقيقة، سيناريو مقلقا لم توجه إليه الأضواء الكافية بعد: أزمة غذائية ومائية وشيكة في دول الخليج قد تفضي إلى انهيار سريع للاستقرار الإقليمي إذا مضت إيران في تنفيذ ما يصفه بـ”الحرب على الاقتصاد العالمي بأكمله”.
نظرية الألعاب تقرأ الخليج
اشتهر البروفيسور جيانغ بتطبيق “نظرية الألعاب” في قراءة مسارات الأزمات الدولية، وهي منهجية رياضية تحليلية تقيم خيارات الأطراف المتنازعة وتتنبأ بسلوكها بناء على حساب المكاسب والخسائر.
وقد سبق لتحليلاته أن أصابت في توقع أحداث بارزة، من بينها فوز ترامب والتصعيد مع إيران، مما منحه مصداقية واسعة في الدوائر الأكاديمية والاستراتيجية.
في تحليله المتداول اليوم، يرسم جيانغ صورة مغايرة لمنطق الحرب التقليدي: إيران، في رأيه، لا تحتاج إلى الاشتباك مع الجنود الأميركيين وجها لوجه، ولا إلى استنزاف قدراتها في مواجهة منظومة دفاعية متفوقة. يكفيها أن تضرب ثلاثة أهداف بسيطة في ظاهرها، بالغة الأثر في جوهرها: محطات تحلية المياه، ومضيق هرمز، والبنية التحتية الأمريكية في الخليج.
ثلاثة أهداف.. وانهيار الخليج
أولا – محطات تحلية المياه: ضربة تحت الحزام
تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي اعتمادا شبه كلي على تحلية مياه البحر لتوفير المياه العذبة؛ إذ تشير الأرقام إلى أن نسبة الاعتماد تتجاوز 70% في كل من السعودية والإمارات وقطر، بل تصل في بعض الإمارات الخليجية الصغيرة إلى ما يقارب 100%.
وهذه المحطات، رغم ضخامتها الاقتصادية وأهميتها الحيوية، تعد في المعادلة العسكرية أهدافا ثابتة وكبيرة الحجم وسهلة الاستهداف بالصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة.
يقول البروفيسور جيانغ إن تعطيل هذه المحطات كفيل بخلق أزمة مياه حادة في غضون أسبوع إلى أسبوعين في أسوأ السيناريوهات، خاصة في ظل المناخ الحار الذي يرفع الاستهلاك اليومي للفرد إلى مستويات قياسية.
ويقر المحللون بأن لدى دول الخليج احتياطيات ومخازن مياه طارئة، غير أن هذه الاحتياطيات لم تصمم لاستيعاب انقطاع كامل وطويل الأمد عن المصدر الرئيسي للإمداد.
ثانيا – مضيق هرمز: خنق الشريان الغذائي
لا يمر عبر هرمز النفط وحده. فوفقا للبروفيسور جيانغ وما تؤكده الأرقام الدولية، يستورد ما يتراوح بين 80 و90 بالمائة من الغذاء في دول الخليج عبر الشحن البحري، وحصة الأسد منه تمر من هذا المضيق الضيق؛ الحبوب واللحوم والمنتجات الغذائية الأساسية كلها تعتمد على هذا الممر. وما كشفته “كيبلر” اليوم من انخفاض حركة الناقلات بنسبة 90 بالمائة يجسد هذا التحذير ويحوله من نظرية إلى واقع متصاعد.
إغلاق هرمز لأسابيع متتالية يعني توقف الشحن الغذائي، ونضوب المخازن الاستراتيجية التي تكفي في أحسن الأحوال أشهرا معدودة، ثم ارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية إلى مستويات تذكي الاضطرابات الاجتماعية.
ثالثا – القواعد الأميركية في الخليج: استنزاف بالوكالة
يكمل البروفيسور المشهد بالإشارة إلى الضربات الإيرانية المتواصلة على البنية التحتية الأمريكية في المنطقة، التي تعقد المشهد الأمني وتجبر الولايات المتحدة على توزيع جهدها الدفاعي على جبهات متعددة في آن واحد، مما يضعف قدرتها على الاستجابة الحاسمة لأزمة إنسانية غذائية ومائية في الخليج.
هل السيناريو واقعي؟
سؤال مشروع يطرحه الخبراء: هل “أسبوعان” رقم مبالغ فيه؟
الحقيقة أنه يعتمد على متغيرين حاسمين: حجم الضربات على محطات التحلية ومدى تشغيل البدائل، ومدة استمرار إغلاق المضيق. فإذا أصيبت عدد كبير من المحطات معا دون قدرة على الإصلاح السريع، وامتد إغلاق هرمز أسبوعين متواصلين أو أكثر، فإن الضغط على الاحتياطيات الغذائية والمائية سيتحول تدريجيا إلى أزمة فعلية. أما إذا بقيت الضربات محدودة وجرى التفاوض على هدنة سريعة، فإن السيناريو يظل في دائرة التحذير لا الوقوع.
ما يرجح جدية التحليل هو أن دول الخليج نفسها تعلم هشاشتها الغذائية جيدا؛ وهذا ما يفسر الاستثمارات الهائلة التي ضختها في السنوات الأخيرة في مشاريع الأمن الغذائي الخارجية، من امتلاك أراض زراعية في أفريقيا وآسيا الوسطى إلى بناء مخزونات استراتيجية. لكن أيا من هذه المبادرات لم يصل بعد إلى مستوى الاكتفاء الذاتي.
الخليج في عين العاصفة
على أرض الواقع، تراقب دول مجلس التعاون الخليجي التطورات بقلق شديد، موازنة بين اعتبارات الحياد الرسمي وضرورات الأمن الوطني. فهي من جهة ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وتستضيف قواعدها العسكرية، ومن جهة أخرى تتقاسم مع إيران أطول الحدود البحرية وأدق نقاط التوتر الجغرافي.
وتفيد مصادر عدة بأن حكومات خليجية عدة رفعت منذ الجمعة الماضية مستوى استعداداتها لإدارة الأزمات، وشرعت في مراجعة خطط الطوارئ المتعلقة بإمدادات المياه والغذاء، وإن ظلت هذه الإجراءات بعيدة عن الأضواء الإعلامية حتى الآن.
حرب على الاقتصاد العالمي
يذهب البروفيسور جيانغ إلى أبعد من ذلك، إذ يصف الاستراتيجية الإيرانية بأنها “حرب على الاقتصاد العالمي بأكمله”، لا مجرد رد فعل إقليمي. فهرمز ليس شريان الخليج وحده؛ إنه شريان اليابان وكوريا الجنوبية والهند والصين أيضا. وأي اضطراب مديد في تدفق النفط والغاز عبره سيترجم في غضون أسابيع إلى ركود اقتصادي في آسيا، وارتفاع في فواتير الطاقة في أوروبا، وضغوط تضخمية في الولايات المتحدة، مما يوسع دائرة المتضررين من الحرب لتشمل دولا لم تطلق رصاصة واحدة ولم توقع على أي تحالف.
في هذا السياق، يبدو توصيف “حرب اقتصادية عالمية” أقرب إلى الدقة منه إلى المبالغة. وهو ما يجعل الضغط الدولي لإيجاد مخرج دبلوماسي -مهما بدت آفاقه ضيقة الآن- ضرورة تتجاوز الأطراف المتحاربة لتصبح مطلبا حياتيا لبقية العالم.










