إسلام آباد- المنشر الاخباري | الخميس 5 مارس 2026، في زيارة ميدانية تحمل أبعادا أمنية وسياسية بالغة الأهمية، توجه المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، يوم الأربعاء إلى مدينة وانه في جنوب وزيرستان، واحدة من أكثر المناطق الحدودية حساسية على طول الشريط الفاصل بين باكستان وأفغانستان. وجاءت الزيارة لتحمل في طياتها رسائل متعددة المستويات؛ ميدانية موجهة للقوات المرابطة، وسياسية حادة اللهجة موجهة لحكومة طالبان في كابول.
استعراض الجاهزية في قلب المنطقة الساخنة
وصل المشير منير إلى وانه وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث استقبل من قبل كبار الضباط الميدانيين المشرفين على العمليات الجارية في المنطقة. وأطلع القائد العسكري بالتفصيل على مجريات عملية “غزبة الحق” الجارية حاليا، وهي العملية العسكرية التي تشنها القوات الباكستانية في مواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود، فضلا عن آخر المستجدات والتطورات على طول خط الحدود الباكستانية-الأفغانية بكامل امتداده.
وفي لفتة رمزية ذات دلالة عميقة، توقف المشير منير عند “نصب الشهداء التذكاري”، حيث أدى التحية العسكرية ووضع إكليلا من الزهور تكريما لأرواح الجنود الذين سقطوا دفاعا عن الوطن في هذه البقعة الملتهبة من الأراضي الباكستانية. وأعقب ذلك لقاء مباشر جمعه بالضباط والجنود المتمركزين في مواقع الخطوط الأمامية، حيث أشاد بأدائهم المهني ويقظتهم العملياتية ومعنوياتهم العالية التي وصفها بيان الجيش بأنها “عالية” رغم قسوة الظروف وتواصل النزاعات الجارية.
رسالة إلى كابول: السلام مشروط
لكن الجانب الأبرز في الزيارة كان ما حمله المشير من موقف سياسي صريح وحازم تجاه حكومة طالبان الأفغانية. وفي تصريحات نقلتها إدارة العلاقات العامة بالجيش الباكستاني، قال منير بشكل قاطع إن السلام بين باكستان وأفغانستان لن يتحقق إلا إذا “توقفت حركة طالبان الأفغانية عن دعم الإرهاب والمنظمات الإرهابية”. وهو تصريح يرسم خطا واضحا بين المطلوب باكستانيا وما تقدمه كابول حتى الآن.
وزاد الجيش الباكستاني على ذلك بتصريح رسمي أكثر تفصيلا، إذ أكد فيه أن المشير منير شدد على أن “استخدام فتنة الخرج وفتنة الهند للأراضي الأفغانية لتنفيذ أعمال إرهابية ضد باكستان أمر غير مقبول، وأنه سيتم اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتحييد التهديدات القادمة من عبر الحدود”. والمقصود بـ”فتنة الخرج” في المصطلح الرسمي الباكستاني هو أعضاء حركة طالبان الباكستانية (تحريك طالبان باكستان)، فيما يطلق مصطلح “فتنة الهند” على المتمردين البلوش الذين تتهمهم إسلام آباد بالعمل بدعم هندي.
السياق الأمني: جرح نازف منذ سنوات
لا يمكن فصل هذه الزيارة عن سياق أمني متأزم يمتد لسنوات بين البلدين الجارين. فمنذ عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، ارتفعت وتيرة الهجمات التي تنفذها حركة تحريك طالبان باكستان انطلاقا من الأراضي الأفغانية ضد أهداف عسكرية ومدنية داخل باكستان، ولا سيما في إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان.
وقد راكمت هذه الهجمات أعباء أمنية وإنسانية ثقيلة على باكستان، دفعتها إلى ممارسة ضغوط متصاعدة على كابول للتعامل مع الوجود المسلح على أراضيها. غير أن الاستجابة الأفغانية ظلت في الغالب دون مستوى التوقعات الباكستانية، مما أوصل العلاقة بين البلدين إلى مرحلة من الجفاء والتوتر تعكسها حدة لهجة المسؤولين الباكستانيين الراهنة.
كابول تصمت.. وطالبان تنفي دائما
في المقابل، لم تصدر حكومة طالبان في كابول حتى ساعة إعداد هذا التقرير أي رد رسمي على تصريحات المشير عاصم منير. وهو صمت لافت، وإن كان يتسق مع النمط المتكرر في التعامل مع مثل هذه الاتهامات. إذ لطالما نفت حكومة طالبان بشكل قاطع أي استخدام للأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد دول أخرى، ودحضت الاتهامات بوجود مقاتلين أجانب على أراضيها.
بيد أن هذه النفي المتكرر لم يقنع إسلام آباد، التي تتمسك بما تصفه بأدلة ميدانية ملموسة على التورط الأفغاني، سواء بالتغاضي أو بالدعم المباشر. وتزداد تعقيدا العلاقة الثنائية حين يضاف إليها عامل الهوية القبلية والمناطقية التي تتجاوز الحدود السياسية في هذه المنطقة.
روسيا تعرض الوساطة
في هذا المناخ المتشنج، برزت روسيا بوصفها طرفا مستعدا للعب دور الوسيط بين إسلام آباد وكابول. وقد أعربت موسكو رسميا عن استعدادها لتيسير الحوار بين الجانبين في إطار مساعيها الأشمل لتعزيز الاستقرار في منطقة آسيا الوسطى والجنوبية، وهي مساع تتقاطع مع مصالحها الاستراتيجية في وجود أفغانستان مستقرة وعلاقات طبيعية بين جيرانها.
وتبقى فرص نجاح أي وساطة رهينة بمدى جدية حكومة طالبان في معالجة الملف الأمني من الجانب الأفغاني، وهو ما يظل حتى الآن موضع تشكيك واسع في دوائر صنع القرار الباكستانية.
مسار التصعيد أم الحوار؟
تضع زيارة المشير منير إلى جنوب وزيرستان العلاقة الباكستانية-الأفغانية أمام مفترق طرق حقيقي. فإسلام آباد ترسم خطوطا حمراء واضحة، وتؤكد أنها لن تتسامح مع استمرار استخدام الأراضي الأفغانية منطلقا للعمليات المسلحة ضد أراضيها وقواتها ومواطنيها. في حين تتمسك كابول بروايتها الثابتة القائمة على النفي.
ويبقى السؤال الأصعب معلقا: هل ستجد الضغوط الباكستانية المتصاعدة صدى في كابول قبل أن تدفع التوترات البلدين نحو مواجهة أوسع لن تكون في مصلحة أي منهما؟ الإجابة في الأيام المقبلة.










