واشنطن – المنشر الاخباري، 6 مارس 2026: بينما تدخل المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها الثاني، تواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب تحديا من نوع آخر لا يقل ضراوة عن جبهات القتال؛ وهو “نزيف الترسانة” والتكاليف الباهظة للذخائر الذكية.
وكشفت مصادر مطلعة لصحيفة “وول ستريت جورنال” أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تستعد لتقديم طلب تمويل عاجل و”ضخم” إلى الكونجرس، بهدف تعويض النقص الحاد في المخزونات الاستراتيجية التي استنزفت بوتيرة غير مسبوقة خلال الأيام الأولى من الصراع.
فاتورة “الأيام الأربعة”: 11 مليار دولار
تشير التقديرات الأولية الصادمة إلى أن تكلفة العمليات العسكرية في الأيام الأربعة الأولى فقط بلغت حوالي 11 مليار دولار.
هذه الفاتورة المرتفعة لا تقتصر على ثمن الصواريخ فحسب، بل تشمل تكاليف تشغيل مجموعات حاملات الطائرات، ونشر القوات الجوية، والقنابل الموجهة، والخدمات اللوجستية المعقدة في منطقة العمليات.
ومع استمرار القتال، يتوقع المحللون أن يقفز هذا الرقم بشكل دراماتيكي، مما دفع نائب وزير الدفاع، ستيف فاينبرغ، إلى قيادة جهود لإعداد طلب ميزانية إضافية قد تصل قيمتها إلى 50 مليار دولار.
يأتي هذا التحرك في سياق طموح أوسع لإدارة ترامب برفع ميزانية الدفاع الإجمالية إلى 1.5 تريليون دولار لمواجهة التهديدات العالمية المتصاعدة.
استنزاف “التوماهوك” والباتريوت
أظهرت التقارير الميدانية أن الكثافة النيرانية الأمريكية بلغت مستويات قياسية؛ حيث أطلقت القوات الأمريكية حوالي 400 صاروخ توماهوك كروز في غضون ثلاثة أيام فقط، وهو ما يعادل استهلاك سنوات كاملة في الظروف العادية.
كما أدى الاعتماد المكثف على منظومات “باتريوت” و”ثاد” لاعتراض الهجمات الإيرانية المضادة إلى ضغط هائل على مخزونات الصواريخ الاعتراضية، وهي قطع سلاح بالغة التعقيد وعالية التكلفة.
ويبرز هنا خلل بنيوي في التخطيط العسكري؛ حيث تفرض إيران معدلات إنفاق عالية جدا على الجانب الأمريكي من خلال استخدام “أسراب” من الطائرات المسيرة الرخيصة والصواريخ، مما يجبر واشنطن على استخدام صواريخ اعتراضية تبلغ تكلفة الواحد منها ملايين الدولارات لإسقاط أهداف لا تتعدى قيمتها بضعة آلاف.
ضغوط على “مقاولي الدفاع” واختناقات التوريد
في محاولة لسباق الزمن، تمارس إدارة ترامب ضغوطا مكثفة على كبرى شركات الدفاع مثل لوكهيد مارتن (المنتجة لباتريوت وثاد) وشركة آر تي إكس (RTX – رايثيون سابقا، صانعة التوماهوك) لزيادة خطوط الإنتاج فورا.
إلا أن هذه الرغبة السياسية تصطدم بواقع “سلاسل التوريد” المنهكة. فالمخزونات الأمريكية كانت تعاني بالفعل من نقص تاريخي بسبب الدعم المستمر لأوكرانيا والعمليات الدفاعية السابقة في الشرق الأوسط.
ويحذر خبراء من أن زيادة الإنتاج قد تستغرق شهورا أو حتى سنوات، نظرا للالتزامات السابقة تجاه حلفاء مثل إسرائيل، وصعوبة الحصول على المكونات الإلكترونية الدقيقة والمواد الخام اللازمة لهذه الأسلحة المتطورة.
الانقسام في الكابيتول هيل
رغم أن مجلس الشيوخ رفض مؤخرا فرض قيود على العمليات العسكرية التي شنها ترامب، مما منح الإدارة “ضوءا أخضر” تكتيكيا، إلا أن طلب التمويل الجديد سيواجه معارضة شرسة في مجلس النواب.
وتقود الأصوات التقدمية، مدعومة بمنصات مثل “كومون دريمز”، حملة لرفض تخصيص أي اعتمادات إضافية، بحجة أن ترامب يمول “حربا غير مصرح بها” دستوريا.
ويرى هؤلاء المعارضون أن ضخ مليارات الدولارات في جيوب مقاولي الدفاع في وقت الحرب يقتطع من ميزانيات الخدمات الأساسية، ويساهم في إطالة أمد الصراع بدلا من البحث عن حلول دبلوماسية.
مأزق “الذخائر الدقيقة”
يضع هذا الوضع البنتاغون أمام معضلة استراتيجية؛ فالاعتماد المفرط على الذخائر الموجهة بدقة في مواجهة “حروب الاستنزاف” قد يقيد العمليات المستقبلية.
إذا لم ينجح الكونجرس في تمرير التمويل السريع، أو إذا فشلت الشركات في تسريع الإنتاج، فقد يجبر القادة العسكريون على تغيير تكتيكاتهم، إما عبر تقنين الضربات، أو الاعتماد بشكل أكبر على مساهمات الحلفاء، أو العودة إلى استخدام أساليب قتالية أقل دقة وأكثر مخاطرة.
بينما يراقب العالم سماء الخليج المشتعلة، تدور في واشنطن حرب أرقام وميزانيات لا تقل أهمية. إن طلب الـ 50 مليار دولار ليس مجرد إجراء مالي، بل هو اختبار لمدى قدرة “القاعدة الصناعية العسكرية” الأمريكية على الصمود في وجه صراع عالي الكثافة، في وقت يبدو فيه أن “مخازن الأسلحة” لم تعد ممتلئة كما كانت في السابق.









