الحرس الثوري يرفض التراجع ويهدد بتوسيع الأهداف رغم اعتذار الرسمى
اعتذار بزشكيان عن الهجمات على دول الجوار يفتح أزمة داخل القيادة الإيرانية ويكشف الانقسام بين السلطة المدنية والحرس الثوري
طهران – 8 مارس 2026 المنشر الإخبارى
دخلت إيران هذا الأسبوع في دوامة من التخبط السياسي والعسكري بعد إعلان الرئيس المؤقت مسعود بزشكيان اعتذاره لدول الجوار عن الهجمات التي شنتها قوات إيران على أراضيها، في وقت تشهد فيه البلاد تصعيدًا ميدانيًا غير مسبوق نتيجة الحرب الأميركية – الإسرائيلية المستمرة على إيران. الاعتذار، الذي وصفه محللون بأنه غير معتاد وغير تقليدي بالنسبة لمسؤول إيراني في موقع القوة، أثار موجة غضب داخل الأوساط العسكرية، وأدى إلى تصاعد التوتر بين القيادة المدنية والقيادات العسكرية في طهران.
خلفية الأزمة
بدأت الأزمة بعد يومين من إعلان مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من القادة البارزين في الضربات الأميركية – الإسرائيلية التي استهدفت العاصمة طهران في اليوم الأول من الحرب. أدى ذلك إلى فراغ قيادي نسبي، دفع مجلس القيادة المؤقت في إيران إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لإدارة شؤون البلاد. ومع ذلك، شهدت قرارات هذا المجلس ارتباكًا واضحًا، خصوصًا في ملف الهجمات على دول الجوار، الذي أصبح محور جدل سياسي حاد بين الأطراف المختلفة في طهران.
الرئيس المؤقت مسعود بزشكيان أعلن، خلال اجتماع عاجل مع سفراء دول الجوار، أن إيران ستتوقف عن استهداف أي دولة لم تشارك بشكل مباشر في الأعمال العسكرية ضد طهران، معتبراً أن استمرار الهجمات على دول الجوار في ظل الظروف الراهنة “غير مبرر”. هذه التصريحات، رغم ما حملته من رسالة تطمين دبلوماسية، قابله رفض صريح من قبل الحرس الثوري الإيراني وقيادة العمليات العسكرية.
تصعيد داخلي: مواجهة بين المدني والعسكري
ردود الفعل داخل إيران كانت فورية وحادة. رئيس السلطة القضائية وعضو مجلس القيادة المؤقت، غلام حسين محسني إجئي، شدد على أن “الهجمات الشديدة ستستمر لأن جغرافيا بعض دول المنطقة وُضعت في خدمة العدو”، في إشارة إلى أن أي نقطة تستخدم لشن هجوم على إيران تُعد هدفاً مشروعاً. بدوره، أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن أي تراجع أمام الضغوط الخارجية لن يكون مقبولاً، وأن “الرد يجب أن يكون حازماً ومستداماً لضمان أمن البلاد”.
توضح هذه الخلافات الداخلية هشاشة التنسيق بين القيادة المدنية والقيادات العسكرية، وهو ما قد يعقد أي مسعى لإعادة استقرار الموقف السياسي والأمني في إيران. ووفقاً لمحللين، فإن هذا الانقسام يعكس الصعوبة التي تواجه النظام الإيراني في اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة في ظل الضربات المتتالية وفقدان عناصر قيادية بارزة.
الوضع الميداني: غارات وصواريخ
على الأرض، استمرت الغارات الإسرائيلية المكثفة على طهران ومدن إيرانية أخرى، شملت أكثر من 80 طائرة مقاتلة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت صاروخية في العاصمة وأصفهان، إضافة إلى مطارات مهرآباد وشيراز وهمدان. وأدت هذه الغارات إلى انفجارات كبيرة وحرائق واسعة، أسفرت عن أضرار جسيمة في المنشآت الحيوية والمستودعات العسكرية.
ردت إيران بإطلاق دفعات صاروخية باتجاه إسرائيل، مستهدفة مواقع عسكرية وقواعد في المنطقة، في خطوة تؤكد أن الحرس الثوري لا يزال ملتزماً بالرد على الضربات، رغم تراجع الرئيس المؤقت في خطابه السياسي. وأعلن الحرس الثوري إطلاق صواريخ “فتاح” و”عماد” و”خيبر” باتجاه مصفاة حيفا، فيما اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الولايات المتحدة باستهداف محطة تحلية مياه في جزيرة قشم، محذراً من “عواقب وخيمة” لأي تصعيد مستقبلي.
التداعيات السياسية
اعتذار بزشكيان أدى إلى جدل سياسي واسع داخل إيران وخارجها، إذ اعتبره مراقبون علامة على تراجع السلطة المدنية أمام الضغط العسكري والخارجي. في الوقت نفسه، رأت بعض الدول المجاورة في التصريحات رسالة إيجابية للتخفيف من التوترات، بينما رآها الحرس الثوري والتشكيلات العسكرية تهديداً لخططهم الاستراتيجية للرد على الضربات الأميركية والإسرائيلية.
وبحسب خبراء، فإن هذا التباين في المواقف يعكس أزمة الثقة بين المؤسسات الإيرانية، ويطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة المؤقتة على فرض سيطرتها على مجريات الحرب، خصوصاً في ظل تهديدات متكررة من القوات الأميركية والإسرائيلية باستهداف قيادات إيرانية بارزة ومنشآت حيوية.
من الخارج، يرى مراقبون أن اعتذار بزشكيان يمثل محاولة لإعادة توازن دبلوماسي بعد أسبوعين من الحرب المكثفة، خصوصاً وأن الولايات المتحدة وإسرائيل تواصلان شن ضربات استراتيجية على منشآت نووية وصاروخية إيرانية. ومع ذلك، تحذر التقارير من أن الحرس الثوري لن يسمح بتقويض موقفه العسكري، وهو ما يعني استمرار المواجهة على الأرض رغم أي محاولات سياسية لتهدئة التوترات.
الولايات المتحدة، من جانبها، عبرت عن قلقها من أي تصعيد إيراني يطال دول الجوار مباشرة، بينما تعكف على متابعة الوضع العسكري عن كثب، وتدرس خيارات لتعزيز الضغوط على إيران من دون الدخول في مواجهة برية شاملة. أما إسرائيل، فواصلت تعزيز قدراتها الجوية والصاروخية لضمان استهداف المنشآت الحيوية في إيران والحد من قدرة النظام على الرد الفعّال.
السيناريوهات المستقبلية
في ظل هذه التطورات، يتوقع محللون استمرار حالة الانقسام بين القيادة المدنية والعسكرية الإيرانية، مع احتمال استمرار الهجمات والردود الصاروخية المتبادلة على مدى الأسابيع المقبلة. كما يشيرون إلى أن أي خطوة إضافية من الرئيس المؤقت لتخفيف حدة التوتر قد تواجه مقاومة شديدة من قبل الحرس الثوري والقيادات العسكرية، ما يهدد بإطالة أمد الحرب واستمرار تداعياتها على المنطقة.
كما يحذر الخبراء من أن الخلافات الداخلية قد تؤثر على قدرة إيران على حماية منشآتها الحيوية، مما يزيد من مخاطر تعرضها لضربات استراتيجية جديدة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. في المقابل، قد يحاول بزشكيان استغلال اعتذاره كوسيلة لكسب تأييد شعبي ودبلوماسي، خصوصاً في دول الجوار المتأثرة بالهجمات السابقة.
يبقى المشهد الإيراني معقداً ومشحوناً بالتوترات السياسية والعسكرية، حيث يظهر الرئيس المؤقت بزشكيان في مواجهة مباشرة مع الحرس الثوري، في اختبار نادر لتوازن القوة بين القيادة المدنية والعسكرية. ومع استمرار الغارات الإسرائيلية والرد الإيراني بالصواريخ، فإن كل طرف يسعى لتثبيت موقفه، في وقت تتزايد المخاوف من توسع رقعة الحرب لتشمل دولاً مجاورة أخرى، مما يضع المنطقة على حافة أزمة استراتيجية واسعة النطاق.










