لماذا لا يُمكن القضاء على الحرس الثوري الإيراني رغم الضربات الأميركية–الإسرائيلية المكثفة؟
طهران – المنشر الإخبارى
في حرب غير مسبوقة اندلعت في نهاية الشهر الماضي فبراير 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات واسعة على إيران تحت أسماء عمليات متعددة، مما أدى إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والأمنيين الإيرانيين، واستهداف بنى تحتية عسكرية واستراتيجية في عدة محافظات.
إلا أن الحرس الثوري الإيراني الإسلامي (IRGC) صمد أمام هذه الضربات، ما أثار تساؤلات وسطالخبراء حول سبب استمرار هذا الوجود العسكري والسياسي رغم الضغوط المتلاحقة. تقارير غربية ومحلية، بينها تحليل لمجلة ناشيونال إنترست الأميركية، ترسم صورة لحالة صمود غير عادية، تشير إلى أن القضاء الكامل على الحرس الثوري ليس أمراً بسيطاً أو قابلاً للتحقيق عبر الضربات الجوية وحدها.
الحرس الثوري ليس مجرد قوة عسكرية: مؤسسة أيديولوجية عميقة الجذور
يعرف الحرس الثوري الإيراني نفسه ليس كجيش نظامي عادي، بل كمؤسسة أيديولوجية شاملة تأسست لحماية الثورة الإسلامية بعد عام 1979، وليس فقط لحماية الدولة الإيرانية. يتجسد ذلك في دوره الممتد من الساحة العسكرية إلى السياسة الداخلية والاقتصاد والسيطرة الاجتماعية والاستخبارات.
يقول مؤشرون في تقارير استخباراتية غربية إن تصميم الحرس قائم على نهج “العقيدة الدفاعية الموزاييكية” التي تضمن توزيع القيادة وتقسيم القدرات على وحدات متعددة غير مركزية، ما يحد من أثر استهداف رأس القيادة المركزية.
هذا النموذج أوضح في تصريحات عدد من مسؤولي النظام الإيراني، بينهم وزير الخارجية السابق عباس عراقجي، الذي صرح بأن النظام صمم وحدات الحرس والمليشيات لتكون موزعة ولا تتأثر بشكل كبير بقصف العاصمة أو استهداف القيادات العليا.
وبالتالي، فالحرس ليس “جيشًا” فقط يُقضي عليه بإسقاط قياداته عسكريًا، بل مؤسسة مترابطة في أبعاد كثيرة داخل الدولة الإيرانية.
الهيكل اللامركزي والقدرة على الاستمرار في الحرب
بعد بداية الحرب وتصاعد الضربات، تعرّضت قدرة الدفاع الجوي الإيراني للتدمير أو التعطيل في أكثر من 200 منظومة، وفقدت السيطرة الجوية المحلية، كما انخفضت القدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة بنسبة كبيرة – ما يعكس نجاح الضربات الأميركية في ضرب العديد من المنصات الهجومية الإيرانية.
لكن رغم هذه الخسائر، أعلن الحرس الثوري استمرار هجماته العسكرية، مؤكدًا أنه سيواصل عمليات الردّ طالما استمرت الضربات ضد إيران، ومهددًا بتوسيع نطاق الاستهداف ليشمل البنية التحتية العسكرية والاقتصادية في المنطقة.
هذا الموقف يعكس قدرة الحرس على التحول من الهياكل العسكرية التقليدية إلى أساليب تكتيكية مرنة تتكيف مع ظروف الحرب، وهو جزء من استراتيجية بارزة في العقيدة الدفاعية الإيرانية تُعرف بـ“الدفاع الموزاييكي” اللامركزي، والتي صُممت خصيصًا لمواجهة خصوم يمتلكون تفوقًا تكنولوجيًا عسكريًا مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.
تجذر أيديولوجي واستراتيجية طويلة الأمد
تُظهر تصريحات مسؤولي الحرس الثوري الإيراني استعدادًا لمواجهة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، حتى لو امتدت لستة أشهر أو أكثر، مؤكدين أن الزمن يصبّ في مصلحة إيران في مواجهة القوة العسكرية الغربية.
هذا ما يجعله ليس مجرد قوة عسكرية يمكن إضعافها بضربة أو اثنتين، بل كيانًا يُعدّ لخوض صراع استراتيجي طويل ويتعامل في إطار بسياسات غير متوازية تعتمد على الصمود والاستنزاف.
يستند هذا على عقيدة الدفاع غير المتكافئ التي طورها الحرس على مدى عقود، والتي تشدد على:
• استخدام وحدات صغيرة موزعة جغرافياً
• الاعتماد على الوكلاء الإقليميين والعمل غير النظامي
• خوض صراع يتميز بعدم موازاة القدرات العسكرية بين الطرفين
• إطالة أمد الحرب وتعبئة الموارد الذاتية.
دور الحرس في السياسة والاقتصاد والاجتماع الإيراني
الحرس الثوري ليس مجرد قوة قتالية، بل يمتد دوره إلى مفاصل الدولة الإيرانية، وهو ما يعزز قدرته على الصمود في مواجهة الضربات الخارجية.
تشمل هذه الأبعاد:
• النفوذ الاقتصادي: يسيطر الحرس على قطاعات واسعة في الاقتصاد، بما في ذلك الطاقة والبناء والاتصالات، ويتعامل عبر شركات اقتصادية ضخمة تُدرّ عائدات مالية كبيرة.
• القوة الاجتماعية والسياسية: يفرض الحرس حضورًا قويًا في الحياة السياسية الداخلية، ويشارك في قمع الاحتجاجات وضبط الاستقرار السياسي.
• الاستخبارات والسيطرة الأمنية: يدير أذرع استخباراتية عميقة التأثير داخل إيران وخارجها.
كل هذه الأدوار تعني أن ضرب الحرس عسكريًا ليس كافيًا لإضعاف تأثيره بمجرد “تدميره” ميدانيًا، لأن تأثيره يتغلغل في عدة أوجه للحياة الإيرانية.
نفوذ إقليمي واسع يمتد إلى حدود بعيدة
يلعب الحرس الثوري دورًا أساسيًا في السياسة الإقليمية الإيرانية عبر قوات مثل فيلق القدس، وهو الذراع الخارجية للحرس الذي يدير شبكات واسعة من الوكلاء في لبنان وسوريا والعراق واليمن. هذه الشبكات تُشكل أدوات قوية للتأثير الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وتستخدم وسائل غير تقليدية للتأثير في موازين القوى الإقليمية.
كما أظهرت التحركات الأخيرة توسيع دائرة العمليات العسكرية الإيرانية لتشمل استهداف مواقع أميركية في دول الخليج وقواعد عسكرية أمريكية في الكويت والإمارات، وهو دليل على أن الحرس لا يزال قادرًا على تنفيذ ردود واسعة خارج حدوده.
في هذا السياق، كشفت تقارير إقليمية عن محاولات شبكات مرتبطة بالحرس تنفيذ أعمال تجسسية وتخريبية في بلدان خارج إيران، منها دول عربية، مما يضيف بُعدًا أمنيًا جديدًا لصمود الحرس وتأثيره في المنطقة.
تقديرات استخباراتية غربية تعزز صعوبة “محو” الحرس
تحليلات غربية متعددة، بما في ذلك تقرير “مجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية” (NIC)، ترى أن حتى عملية عسكرية واسعة النطاق لن تكون كافية لإطاحة النظام الإيراني بشكل شامل، بما في ذلك الحرس الثوري، لأن الأساسات الأيديولوجية والبنية الداخلية للحرس متشعبة ومعقدة.
وينص التقرير الاستخباراتي على أن العقيدة الحاكمة داخل النظام الإيراني والنهج السياسي القائم يجعل الإمكانية التقنية للإطاحة بالحرس الثوري عبر القصف وحده غير كافية، وأن أية تغييرات جذرية تتطلب تعاملًا مع العوامل الداخلية والأيديولوجية.
تاريخ طويل من الصمود وتعلم الاستراتيجية العسكرية
لطالما حاولت القوات الغربية مواجهة إيران، سواء خلال الحرب العراقية–الإيرانية في الثمانينيات، أو خلال أزمة النووي والصواريخ الباليستية على مدى القرن الحادي والعشرين، إلا أن التجارب السابقة تشير إلى أن الضربات الجوية وحدها لم تُسفر عن تغيّر كبير في موازين القوة داخل إيران.
وقد درّس القادة الإيرانيون عبر العقود الماضية هذه الدروس، فقاموا بتطوير بنى دفاعية مرنة وأنظمة إدارة أزمات قادرة على تحمل الضربات الخارجية، ما يعزز صمود الحرس الثوري أمام أحكام القضاء العسكري التقليدي.
فغم الضربات الموجعة التي واجهها الحرس الثوري الإيراني، فإن القضاء عليه في المدى المنظور أمام أقوى الجيوش في العالم يبدو أمرًا بعيد المنال، بل حتى مستحيلًا من منظور تقليدي. الأسباب متعددة؛ فالحرس ليس مجرد قوة قتالية تواجه الضربات العسكرية، بل مؤسسة شاملة تمتلك أبعادًا أيديولوجية، سياسية، اقتصادية، استخباراتية وإقليمية تجعلها ركيزة صمود حقيقي داخل إيران وخارجها.
وبناءً على التحليلات الاستخباراتية الغربية والاستراتيجيات الدفاعية الإيرانية المتطورة، فإن استمرار الحرس الثوري كعامل رئيسي في الاستراتيجية الإيرانية ليس أمرًا عابرًا، بل جزءًا من بنية الدولة القائمة والصمود المستمر في مواجهة أي تهديد خارجي.










