تشهد المنطقة تصعيد معقد يتجاوز حدود المواجهات التقليدية بين القوى الإقليمية ليصل إلى مستوى تنافس دولي فالصراع الدائر لم يعد مجرد مواجهة محدودة بين أطراف إقليمية وانما أصبح ساحة اختبار لإرادات القوى الكبرى فالولايات المتحدة والكيان الصهيوني يتحركان وفق حسابات استراتيجية واسعة وإيران تدير شبكة نفوذ ممتدة في عدة دول وروسيا والصين تراقبان وتؤثران بطرق مختلفة وفي وسط الدوامة تقف اليمن دولة منهكة بالحرب لكنها في الوقت نفسه تمتلك موقعا جيوسياسيا يجعلها جزء من معادلات أكبر من حدودها لهذا يصبح السؤال الأساسي ليس من مع من؟ وانما كيف تحمي اليمن مصالحها وسط التشابك المعقد في المنطقة.
وفي البداية لفهم المشهد كانت الحملة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة وشركاؤها تحت عنوان حماية الملاحة الدولية( حارس الازدهار) الكثيرون في اليمن تعاملوا مع الحملة سابقا باعتبارها فرصة لإضعاف مليشيات الحوثي الارهابية فالحماس الإعلامي والسياسي كان كبير ولكن سرعان ما ظهرت تعقيدات مختلفة وبعض دول الخليج تعاملت بحذر واضح لم يكن ناتج عن تردد ولكنه عن قراءة أوسع لمسار الصراع الإقليمي وإمكانية تحوله إلى مواجهة مفتوحة تشمل قوى دولية كبرى.
في مثل هذه الصراعات لا تتحرك الدول الكبرى بدافع العاطفة أو الرغبة في الحسم السريع فالحسابات تكون مرتبطة بمصالح اقتصادية وأمنية واستراتيجية طويلة المدى وما حدث عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فجأة انتهاء مرحلة العمليات ضد المليشيات الحوثية يعكس الحقيقة فالقرار لم يكن نتيجة حسم عسكري كامل وانما نتيجة تقدير سياسي للمخاطر والتكاليف والسيناريوهات المقبلة فطبيعة الحروب الكبرى حيث يمكن أن تتغير الاتجاهات بسرعة وفقا لتوازنات المصالح.
الخطر الأكبر في هذه المرحلة أن يتحول الصراع الإقليمي إلى مواجهة دولية أوسع والحديث الذي صدر عن مسؤولين أميركيين حول دور روسيا في مساعدة إيران على تحديد أهداف أو أصول أميركية يفتح بابا خطير مع وجود الصين كلاعب اقتصادي وسياسي كبير في المنطقة يضيف بعدا آخر من التعقيد وعندما تتقاطع مصالح القوى يصبح احتمال توسع الصراع قائم حتى لو لم يكن هدف أي طرف الوصول إلى حرب عالمية.
من هنا يمكن فهم سلوك دول الخليج التي تحاول حساب خطواتها بدقة وتدرك أن أي انخراط مباشر أو متسرع قد يجر المنطقة إلى صراع واسع يصعب التحكم بنتائجه وتميل سياساتها إلى إدارة التوازن بين حماية أمنها الوطني وتجنب التصعيد غير المحسوب وبهذا الأسلوب قد يبدو للبعض تردد لكنه في الحقيقة جزء من إدارة المخاطر في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
بالنسبة لليمن فإن التحدي أكبر يكمن في الحرب الداخلية منذ سنوات مع مليشيات الحوثي الارهابية بالإضافة إلى تحديات اخرى كالاقتصاد المنهك ومؤسسات الدولة الضعيفة والمجتمع الذي يعاني من أزمات إنسانية عميقة وفي هذه الظروف يصبح الانجرار الكامل خلف أجندات القوى الخارجية خطر وجودي فاليمن لا تستطيع أن تتحول إلى مجرد ساحة صراع بالوكالة بين أطراف إقليمية أو دولية والمصلحة الوطنية تقتضي بناء رؤية مستقلة نسبيا قدر الإمكان تسعى إلى خلق معالجات حقيقية للتحديات التي تواجهها وعلى راسها استعادة الدولة وانهاء الانقلاب الذي تقودك مليشيات الحوثي الارهابية منذ سبتمبر ٢٠١٤.
أحد النقاشات المطروحة في الأوساط السياسية اليمنية خلال الصراع والحرب القائمة في المنطقة يتعلق بإمكانية الدفع نحو معركة نهائية وأخيرة مع المليشيات الحوثية الارهابية بدعم من السعودية وهذا الطرح يقوم على فكرة أن لحظة التحولات الإقليمية قد توفر فرصة لإنهاء التمرد المسلح وإعادة بناء الدولة لكن الخيار ذاته يحتاج إلى قراءة دقيقة وأي معركة نهائية لا يمكن أن تكون مجرد قرار سياسي أو إعلامي ونجاحها يتطلب توافر شروط عسكرية وسياسية واقتصادية معقدة يمكن إجمال عواملها بالتالي:
🔳 العامل الأول يتعلق بوحدة القرار العسكري وتوحيد الوحدات العسكرية التابعة للحكومة الشرعية واي انقسامات داخل القوى اليمنية المناهضة للمليشيات تمثل أحد أكبر العوائق أمام أي حسم فالتوترات التي ظهرت نهاية العام الماضي ٢٠٢٥ بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل مثال واضح على ذلك وأي استراتيجية وطنية يجب أن تبدأ بمعالجة الانقسامات وبناء حد أدنى من التوافق الداخلي وبدون التوافق ستظل أي مواجهة عسكرية معرضة للفشل أو لإنتاج أزمات جديدة.
🔳 العامل الثاني هو طبيعة الدور الإقليمي فالسعودية اليوم تمثل الفاعل الوحيد الأكثر تأثيرا في الملف اليمني وتدخلها كان حاسما في منع انهيار كامل للدولة اليمنية في مراحل سابقة وفي الوقت نفسه تسعى الرياض إلى إدارة الملف بطريقة تمنع توسع الحرب على حدودها وتحافظ على استقرار المنطقة وتسعى لتحقيق اهداف التحالف العربي لذلك فإن أي تصور لمعركة حاسمة يجب أن يكون منسجما مع الحسابات الأمنية والعسكرية والسياسية للسعودية.
🔳 العامل الثالث يرتبط بتعقيدات الصراع الإقليمي نفسه مليشيات الحوثي لم تعد مجرد جماعة مسلحة محلية وعلاقتهم بإيران جعلتهم جزء من شبكة نفوذ إقليمية تستخدمها طهران في صراعاتها مع خصومها وأي مواجهة معهم قد تتأثر بشكل مباشر بمستوى التوتر بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران والكيان الصهيوني بمعنى آخر المعركة في اليمن قد تتغير مساراتها تبعا لتطورات خارج الحدود اليمنية.
ومن المهم إدراك أن بعض التدخلات الخارجية قد تنتج آثارا عكسية والحديث الذي دار في فترات سابقة عن ضربات الكيان الصهيوني ضد مليشيات الحوثي الارهابية كشف عن حساسية كبيرة داخل اليمن ومثل هذه الخطوات قد تؤدي إلى تعقيد المشهد الداخلي وخلق توترات جديدة بين القوى المحلية المناهضة للمليشيات الحوثية الارهابية أو بين اليمن وحلفائها الإقليميين ولذلك يجب التعامل مع هذا النوع من السيناريوهات بحذر شديد.
وفي ظل المعطيات يصبح الهدف الحقيقي لصانع السياسة في اليمن هو إدارة الصراع بطريقة تحقق أكبر قدر ممكن من المكاسب الوطنية وتقلل الخسائر ويتطلب عدة مسارات متوازية ومنها:
🔳 المسار الأول يتمثل في تعزيز الشرعية السياسية للدولة من خلال إصلاح المؤسسات وتحسين الأداء الحكومي وإعادة بناء الثقة مع المواطنين.
🔳 المسار الثاني يتمثل في بناء تحالفات إقليمية متوازنة قائمة على المصالح المشتركة وليس التبعية الكاملة.
🔳 المسار الثالث يتعلق بإدارة الخطاب السياسي والإعلامي فالخطاب القائم على تصنيف الناس بين موالين لإيران أو داعمين للكيان الصهيوني لا يخدم المصلحة الوطنية فاليمن بحاجة إلى نقاش عقلاني يركز على حماية الدولة واستعادة الاستقرار وعندما يتحول الجدل السياسي إلى تبادل اتهامات يفقد المجتمع قدرته على التفكير الاستراتيجي.
🔳 المسار الرابع فهو الاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة في المنطقة وإذا اتجهت الأمور نحو تسوية إقليمية واسعة فقد يفتح ذلك بابا لحل سياسي شامل في اليمن وإذا تصاعد الصراع فقد تبرز فرص أو مخاطر جديدة تتطلب تحرك سريع وفي كلتا الحالتين يجب أن تكون لدى اليمن رؤية واضحة لما تريده وكيف يمكن تحقيقه.
فاليمن لا تستطيع أن تختار موقعها في الصراع الإقليمي بناء على العواطف أو الاصطفافات الأيديولوجية وما تحتاجه هو سياسة واقعية تنطلق من المصلحة الوطنية أولا وفهم أهداف كل طرف خارجي خطوة أساسية في هذا الاتجاه ولكن الأهم هو أن تمتلك اليمن مشروعها الخاص للدولة والاستقرار وعندما يكون هذا المشروع واضح يصبح التعامل مع التحولات الإقليمية أكثر قدرة على تحقيق المكاسب وتجنب المخاطر.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط في ميادين القتال وانما في القدرة على التفكير الاستراتيجي واليمن تحتاج اليوم إلى عقل سياسي قادر يقرأ التحولات الكبرى ويعرف كيف يحول العاصفة الإقليمية إلى فرصة لإعادة بناء الدولة واستعادة مكانتها في المنطقة وانهاء انقلاب المليشيات الحوثية الارهابية فهذه المهمة ليست سهلة لكنها الطريق الوحيد للخروج من سنوات الحرب الطويلة نحو مستقبل أكثر استقرارا.
الحرس الثوري الإيراني يفتح مضيق هرمز لدول عربية وأوروبية بشرط صادم
تصعيد إيراني مفاجئ: الحرس الثوري يربط عبور مضيق هرمز بطرد...
Read moreDetails










