مقتل كاهن ماروني بقصف إسرائيلي يشعل المخاوف من تهجير المسيحيين وتصاعد التوتر على الحدود
بيروت – 10 مارس 2026 المنشر الإخباري
طلب وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي من الكرسي الرسولي التدخل دبلوماسياً للمساعدة في حماية الوجود المسيحي في القرى الحدودية جنوب لبنان، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة وتزايد المخاوف من تهجير السكان من أراضيهم.
وأوضح رجي، في بيان نشره عبر حسابه على منصة “إكس”، أنه أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس أساقفة العلاقات مع الدول في الفاتيكان بول غالاغر، حيث ناقش الجانبان التطورات الأخيرة في لبنان، ولا سيما الوضع المتدهور في القرى الحدودية في الجنوب.
وقال الوزير اللبناني إن سكان تلك القرى ظلوا على الدوام داعمين للدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية الرسمية، مؤكداً أنهم لم يتخلوا يوماً عن هذا الالتزام رغم الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة.
الفاتيكان يتحرك دبلوماسياً
وبحسب رجي، أكد المسؤول الفاتيكاني أن الكرسي الرسولي يجري اتصالات دبلوماسية مع مختلف الأطراف في محاولة لوقف التصعيد العسكري في لبنان، والعمل على منع تهجير السكان من مناطقهم.
وأضاف أن لبنان يظل حاضراً في صلوات البابا ليون الرابع عشر، في إشارة إلى القلق الذي يساور الفاتيكان بشأن مصير المسيحيين في البلاد.
ويُذكر أن الوزير يوسف رجي ينتمي إلى حزب القوات اللبنانية، وهو حزب سياسي غير طائفي رسمياً، لكنه يرتبط تاريخياً بالقاعدة الشعبية للمسيحيين الموارنة في لبنان.
مقتل كاهن في قصف على قرية مسيحية
وجاءت هذه الاتصالات الدبلوماسية بعد حادثة أثارت صدمة في لبنان، حيث قُتل الكاهن الماروني الأب بيار الراعي، راعي أبرشية صور المارونية، إثر قصف استهدف قرية القليعة المسيحية في جنوب البلاد.
ووفق رواية نقلها الأب توفيق بو مرعي، وهو راهب فرنسيسكاني من حراسة الأراضي المقدسة وكاهن الطائفة اللاتينية في جنوب لبنان، فإن القصف وقع على مرحلتين.
فقد استهدفت الضربة الأولى منزلاً في القرية، ما أدى إلى إصابة أحد أبناء الرعية. وعلى إثر ذلك توجه الأب بيار الراعي إلى الموقع لمساعدة المصابين برفقة عدد من شبان البلدة.
غير أن غارة ثانية ضربت المنطقة نفسها بعد دقائق، ما أدى إلى إصابة الكاهن بجروح خطيرة. وتم نقله إلى المستشفى، لكنه فارق الحياة فور وصوله.
وتقع بلدة القليعة قرب الحدود مع إسرائيل، بالقرب من بلدة مطلة الإسرائيلية.
الرواية الإسرائيلية
من جهتها، أعلنت قوات الدفاع الإسرائيلية أنها نفذت ضربة جوية على القرية بهدف “تحييد خلية تابعة لحزب الله” قالت إنها كانت تتحرك داخل موقع في البلدة.
وأضاف الجيش الإسرائيلي أن وجود عناصر مسلحة داخل القرية يمثل – بحسب وصفه – دليلاً على استخدام حزب الله للبنية التحتية المدنية لأغراض عسكرية.
حزن في الفاتيكان
وأعرب البابا ليون الرابع عشر عن حزنه العميق لمقتل الكاهن، معرباً أيضاً عن أسفه لجميع الضحايا الذين سقطوا في القصف الأخير في الشرق الأوسط، وخاصة المدنيين والأطفال.
وفي تصريح للصحافة على هامش فعالية حوارية بين الأديان عُرفت باسم “مائدة رمضان – الإفطار”، قال أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين إن الكنيسة أيضاً أصبحت ضحية للوضع المتدهور في المنطقة.
وأضاف أن الكنيسة لا تمتلك أدوات قسرية لفرض رؤيتها، لكنها تواصل الاعتماد على الدبلوماسية والدعوة إلى احترام المبادئ الأساسية للتعايش السلمي بين الشعوب.
مخاوف من تراجع الوجود المسيحي في الشرق الأوسط
وأشار بارولين إلى أن احتمال تراجع الوجود المسيحي في الأرض المقدسة وفي الشرق الأوسط بشكل عام يمثل مصدر قلق دائم للكرسي الرسولي.
وأوضح أن الحروب وعدم الاستقرار وتصاعد الكراهية عوامل لا تساعد على بقاء المسيحيين في المنطقة، بل تدفع الكثير منهم إلى الهجرة.
أكبر تجمع مسيحي في الشرق الأوسط
ويُعد لبنان موطناً لأكبر مجتمع مسيحي في الشرق الأوسط، إذ يشكل الموارنة الغالبية داخل هذا المجتمع، إلى جانب الأرثوذكس اليونانيين والملكيين الكاثوليك والأرمن.
لكن الوجود المسيحي في البلاد شهد تراجعاً تدريجياً خلال العقود الماضية نتيجة عوامل متعددة، أبرزها الهجرة الواسعة والأزمات الاقتصادية المتكررة والصراعات السياسية.
وقد بدأت موجات الهجرة منذ القرن التاسع عشر، لكنها تسارعت خلال القرن العشرين، خصوصاً بعد انتهاء الانتداب الفرنسي، وبلغت ذروتها خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990.
وأدت سنوات الحرب والعنف والدمار إلى دفع عشرات الآلاف من المسيحيين إلى الهجرة بحثاً عن الأمان والاستقرار.
كما ساهمت الأزمات الاقتصادية المتلاحقة والفساد السياسي وصعود التيارات المتطرفة في زيادة شعور العديد من المسيحيين بعدم الاستقرار.
تغير التوازن الديمغرافي
وتاريخياً، كان المسيحيون يشكلون غالبية السكان في لبنان أو على الأقل قوة متوازنة مع الطوائف الأخرى، وهو ما انعكس في النظام السياسي الذي ينص على أن يكون رئيس الجمهورية مسيحياً مارونياً.
غير أن التغيرات الديمغرافية الناتجة عن الهجرة وانخفاض معدلات الولادة بين المسيحيين مقارنة ببعض الطوائف الأخرى أدت إلى تغير تدريجي في التوازن السكاني، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد السياسي في البلاد.
كما أن تورط لبنان في صراعات إقليمية متعددة، مثل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والحرب السورية، ترك آثاراً مباشرة على أمن البلاد واستقرارها، ما زاد من شعور المجتمع المسيحي بالهشاشة والعزلة.
وخلال الحرب الأهلية اللبنانية، أدت الانقسامات بين الفصائل المسيحية نفسها إلى إضعاف تماسكها السياسي، ما جعلها أقل قدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه لبنان اليوم.










