منذ اندلعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران قبل نحو شهرين، شدّدت دول الخليج رقابتها على مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي والناشطين وأقرّت مراسيم جديدة واختصرت درجات التقاضي واستخدمت مواد قانونية لاعتقال ومحاكمة وترحيل من ينشر مواد تعتبرها “مضرّة لأمن البلاد”، وهو ما وصفته منظّمات حقوقية دولية ومحلية بأنّه “عصف بحرية الرأي والتعبير”.
وتراوحت فئات من ألقي القبض عليهم في البحرين والكويت تحديدا بين صحفيين ومؤثرين ونشطاء حقوقيين وأشخاص عاديين من شباب ونساء، على خلفية ما تصفه البلدان بـ “اتهامات بإثارة الفتنة الطائفية، وإذاعة أخبار كاذبة وإساءة استخدام الهاتف المحمول وغيرها مما يعدّ تقويضا لأمن الدولة”.
كانت دول خليجية عدّة قد حذّرت في بداية الحرب من تصوير أو نشر مقاطع فيديو أو معلومات تتعلّق بالهجمات الإيرانية عليها، مشدّدة مراجعاتها لكلّ ما يُنشر متعلّقاً بالحرب أو بالقيادات الإيرانية التي استُهدفت وعلى رأسها المرشد الإيراني علي خامنئي.
البحرين: السجن لثلاثة رجال بسبب نقاشهم حول الإسلام على موقع يوتيوب
أنباء عن سحب الجنسية الكويتية من الداعية الإسلامي طارق السويدان بدون الإشارة للسبب، فمن هو؟
وتخشى أسر من ألقي القبض عليهم في البحرين والكويت من اتخاذ إجراءات تعسّفية بحقهم تتمثّل في عدم إخضاعهم لمحاكمات عادلة أو سحب جنسية من تتم إدانته بعد إصدار قانون جديد للجنسية في الكويت ومرسوم ملكي بحريني أخيراً.
ومن بين الإجراءات التي استُحدثت خلال هذه الحرب لمراجعة ومتابعة ما ينشر، أقامت الكويت حواجز أمنية على الطرقات تُفتّش خلالها بعض الهواتف وتُقرأ محادثات وتُراجع صور ورسائل صوتية، بحسب ما ذكر لنا أحد النشطاء الكويتيين الذي رفض ذكر هويته لأسباب أمنية.
الكويت تبرئ شهاب والغالبية وتدين البعض
بعد أسابيع من الاعتقال على ذمّة التحقيقات في قضايا إساءة النشر على مواقع التواصل الاجتماعي، أصدرت محكمة الجنايات “دائرة أمن الدولة” في الكويت الخميس سلسلة أحكام بحق 135 متّهماً خلال جلسة علنية، انتهت بحبس 17 متّهماً في قضايا المغرّدين لمدة 3 سنوات.
كما قضت المحكمة ذاتها بحبس متّهم لمدة 10 سنوات في قضيّتين، والامتناع عن عقاب 109 متّهمين وإلزامهم بمحو التغريدات، كما قضت ببراءة 9 متّهمين آخرين، فيما كان جميع المتّهمين محبوسين على ذمّة تهم : إثارة الفتنة الطائفية، وإذاعة أخبار كاذبة.
من بين من تّمّت تبرئتهم في الكويت، الصحفي الكويتي الأمريكي أحمد شهاب الدين، الذي كان قد ألقي القبض عليه منذ مطلع مارس/آذار الماضي.
وكان شهاب الدين، الحائز على جوائز عدّة والذي سبق أن أسهم في الكتابة لصحف ومؤسسات إعلامية دولية، في زيارة إلى عائلته في الكويت، عندما جرى توقيفه، فيما دشّنت عدة حملات إلكترونية ومطالبات حقوقية بإطلاق سراحه فوراً، وهو ما اعتبره متابعون قد ساهم في تبرئته مع تعجيل النظر في القضايا.
وقالت كاوِلفيون غالاغر، المستشارة القانونية الدولية لشقيقتيه لارا ولوما اللتين تعيشان خارج الكويت في بيان: “نشعر بالارتياح إثر تبرئة أحمد من جميع التهم بعد 52 يوماً من الاحتجاز. ينصبّ تركيزنا الآن على ضمان حريته وسلامته، وسنقدّم مزيداً من التفاصيل فور تأكيدها”.
وقبيل الحكم ببراءة شهاب الدين، تواصلت بي بي سي مع لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، حيث وصفت المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سارة قداح، احتجاز أحمد بأنّه غير مبرّر، مؤكّدة أنّ الدستور الكويتي يضمن حرية الرأي والحق في التعبير، كما أنّ الكويت طرف في معاهدات دولية تحمي حريّة التعبير.
وأشار محمود شلبي، الباحث الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظّمة العفو الدولية، في تصريح لبي بي سي أيضاً إلى أنّ توقيف شهاب الدين تمّ بعد مشاركته مواد إعلامية موثّقة حول الأحداث الجارية، في إطار عمله الصحفي المشروع.
ظروف الاحتجاز ومخاوف من سحب الجنسية
أصدرت الكويت في مارس/آذار الماضي، مرسوماً يقضي بفرض عقوبات بالسجن من 3 إلى 10 سنوات وبغرامة تتراوح بين 5000 و10000 دينار كويتي على كل من يروّج لتقارير “تسيء إلى هيبة الجيش أو تقوّض الثقة به عمداً”، كما أعلنت الحكومة في الشهر ذاته إنشاء محاكم خاصة بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب.
واعتبر شلبي أنّ الواقع الحالي في الكويت، خلق مناخاً من الخوف، أدّى إلى رقابة ذاتية واسعة، وقيّد بشكل كبير العمل الصحفي المستقل، وحدّ من قدرة الناس على التواصل وفهم ومشاركة تأثيرات الصراع على حياتهم اليومية.
وتواصلت بي بي سي مع أحد المواطنين الكويتيين الذي تم توقيف أحد أقاربه في بداية الحرب، فأوضح لنا أن التوقيفات تتم بسبب ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك الإعجاب أو التفاعل مع المنشورات، ومن بينها إبداء الأسى لمقتل خامنئي.
وأضاف المواطن الكويتي الذي رفض أن نكشف عن هويته أو ذكر ظروف وأسباب توقيف قريبه لأسباب أمنية، أنّ غالبية الموقوفين من المذهب الشيعي، وهو ما دفع برأيه كثيرين إلى التردّد في التعبير عن آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتشمل التوقيفات رجالاً ونساءً من مختلف الأعمار والجنسيات، وقد احتُجِز عدد منهم ونقلوا إلى السجن المركزي، من بينهم نساء حوامل وامرأة حديثة العهد بالولادة جرى توقيفها مع رضيعها، إضافة إلى حالة لشخص من ذوي الإعاقة، بحسب المواطن الكويتي الذي تحدّث إلينا.
وبحسب ما ذكر، نُقل الموقوفون غير الكويتيين إلى سجن الإبعاد تمهيداً لترحيلهم لاحقاً من دون محاكمة، فور استعادة حركة المطار.
ولفت المواطن الكويتي إلى أن المحاميين الممثلين لبعض الموقوفين تحدّثوا عن اكتظاظ شديد داخل السجن، ما أدّى إلى نظام مناوبة على النوم بسبب عدم كفاية الأماكن، معرباً عن مخاوفه من إمكانية سحب الجنسية من بعضهم إذا صدرت أحكام إدانة بحقهم.
ووفق المادة 13 من قانون الجنسية الجديد تُسحب الجنسية من الكويتي “إذا حُكم عليه بحكم في جريمة مخلّة بالشرف أو الأمانة أو بجريمة من جرائم أمن الدولة الداخلي أو الخارجي أو جريمة المساس بالذات الإلهية أو الأنبياء أو الذات الأميرية”، وأيضاً إذا استدعت مصلحة الدولة العليا أو أمنها الخارجي ذلك، وإذا توفرت دلائل جدّية لدى الجهات المختصة على قيامه بالترويج لمبادئ من شأنها تقويض النظام الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي في البلاد أو دلائل على انتمائه إلى هيئة سياسية أجنبية. في السياق نفسه، تشير المادة 14 من القانون إلى جواز إسقاط الجنسية عن كلّ شخص إذا تبيّن أنّه عمل لمصلحة دولة أجنبية وهي في حال حرب مع الكويت أو كانت العلاقات السياسية قد قُطعت معها.
تواصلت بي بي سي مع السلطات الكويتية بشكل حثيث للردّ على المزاعم التي تتعلّق بظروف التوقيفات وأسبابها، لكنّنا لم نتلق أيّ رد.
بين “حرية التعبير” و”متطلّبات الأمن”
التوقيفات في الكويت تزامنت مع توقيفات مماثلة في البحرين.
تقول منظّمة العفو الدولية إنّ العديد من الموقوفين في البلدين يُلاحقون بسبب ممارستهم حقّهم في حرية التعبير، بما في ذلك توجيه تهم مثل نشر “أخبار كاذبة، أو بث شائعات، أو إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”.
وأشارت المنظّمة على لسان محمود شلبي، الباحث الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها، إلى أنّ هناك مخاوف جدّية بشأن عدالة الإجراءات المتّخذة بحق الموقوفين.










