وبيانات بالعربية وشعارات تحمل بصمة الحرس الثوري الإيراني تثير تساؤلات عن الجهة الحقيقية الداعمة
في غضون أسبوع واحد فقط، ضربت ثلاثة هجمات متتالية مؤسسات يهودية في ثلاث دول أوروبية مختلفة، حاملة توقيع جماعة لم يسمع بها أحد قبل أيام قليلة، تطلق على نفسها اسم “حركة أصحاب اليمين الإسلامية”.
وعلى الرغم من حداثة “حركة أصحاب اليمين الإسلامية”وغياب أي حضور إلكتروني مستقل لها، فإن التحليل الدقيق لشعاراتها وبياناتها وقنوات نشر مقاطعها يكشف عن خيوط تمتد إلى عمق المحور الشيعي المسلح الذي ترعاه طهران.
ثلاثة هجمات في أسبوع واحد
بدأت الأحداث فجر يوم الاثنين التاسع من مارس 2026، حين هز انفجار قوي كنيسا يهوديا في مدينة لييج البلجيكية، في حدود الساعة الرابعة صباحا بالتوقيت المحلي، والمدينة غافلة في النوم.
لم يمض يومان حتى وقع هجوم ثان في اليونان يوم الأربعاء، ثم جاء الهجوم الثالث يوم الجمعة في مدينة روتردام الهولندية، إذ أضرمت النيران عمدا في كنيس يهودي آخر.
ثلاثة هجمات، ثلاث دول، سبعة أيام، والجامع بينها كله اسم واحد: “أصحاب اليمين الإسلامية”، وعقب كل هجوم، بادرت الجماعة إلى إصدار بيان يتبنى العملية، مصحوبا بمقاطع فيديو التقطتها للهجوم.
وفي بيانها الأول عقب تفجير لييج، جاءت الرسالة شديدة اللهجة، مفتتحة بآية قرآنية تدعو إلى الجهاد: “بسم الله الرحمن الرحيم، انطلقوا، سواء أكانوا خفيفين أم ثقيلين، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله”، ثم واصل البيان نداءاته: “يا مجاهدي الإسلام، يا فرسان الظلال، دافعوا عن دينكم. انهضوا، بإذن الله، للجهاد في سبيله”. وختم البيان بعبارات تستدعي ذاكرة غزوات إسلامية كبرى: “بدر 1، بدر 2، الفتح 6، خيبر 14”.
جماعة بلا تاريخ ولا قناة
ما يلفت الانتباه بشدة أن هذه “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” لم يسمع بها قبل هذا الأسبوع. لا وجود لها على منصة تيليجرام، ولا حسابات باسمها على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعد استثناء لافتا في عالم التنظيمات الجهادية المعاصرة. إذ تحرص كل جماعة مسلحة تسعى إلى بناء حضور إيديولوجي على امتلاك قناتها الإلكترونية الخاصة فور إعلان وجودها، لضمان التواصل المباشر مع المتعاطفين وتوسيع دائرة التجنيد.
غياب هذه القناة المستقلة لم يعطل انتشار مقاطع الفيديو والبيانات؛ إذ ظهرت بسرعة لافتة على قنوات تيليجرام تابعة للمحور الشيعي المسلح، وتحديدا على قنوات مرتبطة بحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني.
هذا المسار غير الاعتيادي في نشر المحتوى يطرح تساؤلات جوهرية: هل “حركة أصحاب اليمين الإسلامية”مجرد واجهة لتنظيم أكبر؟ ومن يدير البنية التحتية الإعلامية التي توزع رسائلها؟
شعار يكشف ما تخفيه الأسماء
لا تقل دلالة شعار “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” عن دلالة مساراتها الإعلامية. يصور الشعار ذراعا ممدودة تحمل بندقية موجهة نحو اليمين، وخلفها صورة للكرة الأرضية، وهو تصميم لا يكاد يختلف عن شعارات كتائب حزب الله في العراق، وحزب الله في لبنان، والحرس الثوري الإيراني، وكلها تستخدم صورة اليد الحاملة للبندقية فوق الكرة الأرضية بصياغات بصرية متقاربة جدا. هذا التشابه ليس مجرد مصادفة في عالم التنظيمات المسلحة، بل هو في الغالب انعكاس لانتماء مشترك أو توجيه مرجعي واحد في صياغة الهوية البصرية.
ثمة نقطة تمييزية واحدة: “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” اختارت نموذج بندقية دراغونوف السوفيتية في شعارها، وهي بندقية قنص نصف آلية تحظى بحضور في بعض الجماعات المسلحة بالشرق الأوسط، لكنها نادرة الاستخدام في السياقات الأوروبية.
أما الجماعات الأخرى المنتمية إلى المحور الإيراني، كحزب الله وكتائب العراق، فتعتمد بصريا على نسخ معدلة من بنادق كلاشنيكوف AK. هذا الاختلاف الطفيف يوحي إما بتمايز جغرافي في أصل المجموعة أو في مصادر تسليحها، وإما أنه جاء قصدا لإضفاء قدر من الغموض وصعوبة نسب الهجمات إلى مصدر بعينه.
نمط إيراني راسخ: الواجهات والجماعات الوهمية
خبراء مكافحة الإرهاب يشيرون إلى أن ما يجري يتوافق بدقة مع نهج إيران الراسخ في توظيف جماعات وكيلة وواجهات وهمية لتنفيذ عمليات في الخارج مع الحفاظ على إمكانية الإنكار المعقول.
هذا النهج يقوم على ثلاث ركائز: إنشاء جماعة جديدة لا تاريخ لها قبيل العملية مباشرة، تنفيذ الهجوم وتوزيع مقاطعه عبر شبكات إعلام المحور الموثوقة، ثم اختفاء الجماعة أو تلاشيها بعد ذلك.
المثال التاريخي الأكثر فداحة يبقى تفجير جمعية التبادل الإسرائيلي الأرجنتينية “أميا” في بوينس آيرس في يوليو 1994، الذي أودى بحياة 85 شخصا وأصاب أكثر من 300 آخرين. بعد ثلاثة عقود من التحقيقات المضنية، قضت محكمة أرجنتينية في عام 2024 بأن إيران هي من خططت للهجوم وأن حزب الله هو من نفذه — وهو ما أنكرت طهران أي صلة به على امتداد ثلاثين عاما.
يقول متخصصون في الشأن الإيراني إن طهران والحرس الثوري يمتلكان بنية تحتية واسعة في أوروبا وأمريكا اللاتينية تتجاوز ما هو معلوم للرأي العام، وإن إنشاء جماعات واجهة ومنظمات وهمية هو أحد الأدوات الراسخة في ترسانتهما لتنفيذ العمليات الخارجية مع طمس الأثر والهوية.
دلالة الاسم ورسالته
اسم “أصحاب اليمين” لا يعني “اليمين” بمعناه السياسي الغربي المعاصر، بل يحمل أبعادا دينية إسلامية عميقة. فاليمين في التراث الإسلامي يرمز إلى الصالحين والعادلين وأهل الحق، وهو مستوحى من آيات قرآنية متعددة. الاسم المختار يقرأ إذن على أنه “حركة أهل الحق” أو “جماعة الصالحين”، وهو توظيف دلالي يرسخ الإطار الديني للعمليات ويمنحها شرعية رمزية في خطاب المحور.
هذا النوع من التسمية ذو البعد الديني المرجعي ليس غريبا على خطاب المحور الإيراني وجماعاته الوكيلة؛ فأسماء مثل “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” و”الحشد الشعبي” كلها تستدعي مفردات الفقه الإسلامي والتاريخ الإسلامي المبكر. والأرجح أن اختيار هذا الاسم تحديدا جاء بعناية لإيحاء بعالمية الحركة وأحقيتها الدينية في استهداف ما تعده “أعداء الإسلام” في أوروبا.
أوروبا في مرمى الاستهداف
الخطورة الكبرى في ما جرى أن الهجمات الثلاثة جاءت في ثلاث دول أوروبية مختلفة: بلجيكا وهولندا واليونان، وخلال أسبوع واحد. هذا التوزيع الجغرافي الواسع يشير إلى أن الشبكة المنفذة ليست محلية أو عشوائية، بل تمتلك قدرات لوجستية وتنسيقية عابرة للحدود. الأجهزة الأمنية الأوروبية باتت أمام تحد مركب: جماعة مجهولة الهوية، بلا بنية إعلامية مستقلة، تعمل في دول متعددة، وتوزع محتواها عبر شبكات محور إقليمي بعيدة جغرافيا عن مسرح العمليات.
تشديد الحماية على المواقع اليهودية والمؤسسات الدينية في أوروبا أصبح مطلبا أمنيا ملحا، في ضوء ما كشفت عنه هذه الهجمات من قدرة على التخطيط والتنفيذ السريع والتنسيق عبر الحدود.
وتبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة: هل ستشن هذه الجماعة مزيدا من الهجمات؟ ومن يمولها ويوجهها؟ وكيف تمكن منفذوها من العمل في قلب أوروبا بهذه السرعة والتنسيق؟
الإجابات لا تزال رهينة التحقيقات الجارية، لكن الخيوط المتاحة حتى الآن تتجه بثقة نحو المحور الشيعي المسلح، ومعه نحو يد إيران الطويلة التي طالما مدت ظلها عبر القارات.










