وقفة صامتة في باب توما تفتح ملف الحريات الشخصية وتثير جدلاً واسعاً حول حدود تدخل الدولة في الحياة الخاصة
دمشق – المنشر الإخبارى
شهدت العاصمة السورية دمشق، الأحد، وقفة احتجاجية صامتة شارك فيها مئات المواطنين في ساحة باب توما، رفضاً لقرار السلطات تقييد بيع المشروبات الكحولية ومنع تقديمها في المطاعم والملاهي الليلية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول الحريات الشخصية في البلاد، وأعادت إلى الواجهة النقاش حول العلاقة بين المجتمع والدولة وحدود التدخل في نمط الحياة.
وجاءت الوقفة بدعوة من ناشطين في المجتمع المدني، حيث رفع المحتجون لافتات بالعربية والإنجليزية، كتب على إحداها «الحرية الشخصية خط أحمر»، فيما حملت لافتات أخرى عبارات تطالب باحترام الدستور والحقوق الفردية، مؤكدين أن القضية لا تتعلق بالمشروبات الكحولية بقدر ما تتعلق بمبدأ الحريات الشخصية، وحق الأفراد في اختيار نمط حياتهم دون تدخل.
وكانت محافظة دمشق قد أصدرت في 17 مارس قراراً يقضي بحصر بيع المشروبات الكحولية المختومة في ثلاث مناطق هي القصاع وباب توما وباب شرقي، وهي مناطق تقطنها غالبية مسيحية، مع منع تقديمها في المطاعم والملاهي، مبررة القرار بشكاوى من المجتمع المحلي، وفي إطار ما وصفته بالحد من «الظواهر المخلة بالآداب العامة» وتنظيم عمل محال بيع المشروبات.
لكن القرار أثار انتقادات واسعة، ليس فقط بسبب تقييد بيع الكحول، بل بسبب حصره في مناطق محددة، وهو ما اعتبره البعض قراراً ذا طابع اجتماعي وديني قد يثير حساسية مجتمعية، خاصة أن هذه المناطق تُعد من أقدم أحياء دمشق وأكثرها تنوعاً من حيث التركيبة الاجتماعية والدينية، وتُعرف تاريخياً بأنها مناطق للعيش المشترك بين مختلف مكونات المجتمع السوري.
وجاءت الاحتجاجات أيضاً بعد سلسلة من القرارات والإجراءات الاجتماعية التي أثارت جدلاً خلال الأشهر الماضية، مثل فرض ضوابط أكثر تشدداً على اللباس في الشواطئ والمسابح، والجدل الذي أثير حول تعليمات تتعلق بملابس الموظفات في مدينة اللاذقية، وهو ما دفع بعض المثقفين والناشطين إلى التحذير من أن هذه القرارات قد تمثل توجهاً عاماً نحو فرض قيود اجتماعية أوسع على الحياة العامة.
وخلال الوقفة الاحتجاجية، قال عدد من المشاركين إن لدى السوريين قضايا أكثر إلحاحاً، مثل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وارتفاع الأسعار، وملف اللاجئين والنازحين، معتبرين أن فتح ملف الحريات الشخصية في هذا التوقيت يثير تساؤلات حول أولويات المرحلة. كما أشار بعضهم إلى أن الدستور السوري يكفل الحريات الشخصية، وأن أي قرارات تنظيمية يجب ألا تتحول إلى تقييد للحياة الخاصة أو فرض نمط اجتماعي معين على المجتمع.
في المقابل، قالت محافظة دمشق إن الإجراءات الجديدة لا تهدف إلى التضييق على الحريات، بل إلى تنظيم عمل محال بيع المشروبات الكحولية والحد من الفوضى، مشيرة إلى أن القرار يستند إلى مراسيم وقوانين قديمة، وأنه قد تتم إعادة النظر في المناطق الثلاث المذكورة بما لا يسيء إلى أي مكون من مكونات المجتمع.
ويرى مراقبون أن ما حدث في دمشق لا يمكن فصله عن التحولات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها سوريا في المرحلة الحالية، حيث تحاول الدولة إعادة تنظيم الحياة العامة بعد سنوات الحرب، في حين تخشى فئات من المجتمع من أن يؤدي ذلك إلى تقليص مساحة الحريات الشخصية أو تغيير نمط الحياة في المدن الكبرى.
ويعتبر متابعون أن الاحتجاج الصامت في باب توما يحمل دلالات مهمة، لأنه يعكس بداية عودة الاحتجاجات المدنية المرتبطة بالقضايا الاجتماعية والحياتية، وليس فقط القضايا السياسية، وهو ما قد يفتح الباب أمام نقاش أوسع داخل المجتمع السوري حول شكل الدولة والمجتمع، وحدود الحريات العامة والشخصية، ودور القوانين في تنظيم الحياة دون التدخل في تفاصيلها.
وفي ظل هذا الجدل، يبدو أن قضية تقييد بيع الكحول تحولت من قرار إداري محلي إلى قضية رأي عام ونقاش مجتمعي أوسع، عنوانه الأساسي ليس الكحول، بل الحريات الشخصية وحدود تدخل الدولة في الحياة الخاصة، وهو نقاش مرشح للاستمرار خلال الفترة المقبلة مع احتمال صدور قرارات اجتماعية جديدة قد تثير بدورها جدلاً مشابهاً.










