مع دخول المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، أسبوعها الثالث، بدأت ملامح “اليوم التالي” للحرب تتبلور في أروقة البيت الأبيض.
وكشف تقرير استقصائي نشره موقع “أكسيوس” الأمريكي، أن إدارة الرئيس دونالد ترامب شرعت في إجراء مناقشات أولية مكثفة حول صياغة آفاق لاتفاق دبلوماسي محتمل، واضعة ستة شروط صارمة وصفت بأنها “مفتاح إنهاء القتال”.
كواليس “شروط ترامب الستة”
بحسب مصادر مطلعة تحدثت لموقع “أكسيوس”، فإن الرؤية الأمريكية الجديدة لا تستهدف مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار، بل تسعى إلى تفكيك البنية التحتية للتهديد الإيراني بشكل نهائي. وتتمثل المطالب الأمريكية الستة في:
تصفير الطموح النووي: المطالبة بخفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى (0%) فورا.
تفكيك المفاعلات: الإغلاق الكامل وتفكيك المنشآت الحساسة في “نطنز”، “أصفهان”، ومفاعل “فوردو” المحصن تحت الأرض.
تجميد الترسانة الصاروخية: وقف كامل لبرنامج الصواريخ الباليستية لمدة خمس سنوات كحد أدنى.
رقابة دولية مشددة: قبول نظام تفتيش دولي صارم وغير مسبوق يشمل الأنشطة المتعلقة بأجهزة الطرد المركزي.
سقف التسلح الإقليمي: إبرام معاهدات إقليمية تضع حدا أقصى للصواريخ لا يتجاوز 1000 وحدة.
تجفيف منابع “الوكلاء”: الوقف التام والنهائي للدعم المالي والعسكري لحزب الله اللبناني، وجماعة الحوثي في اليمن، وحركة حماس الفلسطينية.
استمرار القتال ومساعي كوشنر-ويتاكر
ورغم حديث الرئيس ترامب عن رغبته في “خفض التصعيد”، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى عكس ذلك. إذ يتوقع مسؤولون في الإدارة الأمريكية استمرار العمليات القتالية لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع إضافية على الأقل، بهدف ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
وفي هذا السياق، كشف “أكسيوس” عن عودة أسماء بارزة من الدائرة الضيقة لترامب إلى واجهة الملفات الحساسة؛ حيث يقود كل من جاريد كوشنر وستيف ويتاكر مشاورات مكثفة لتمهيد الطريق أمام الحل الدبلوماسي.
وتؤكد المصادر أن أي اتفاق نهائي يجب أن يعالج ثلاثة ملفات متوازية: ضمان حرية الملاحة وإعادة فتح مضيق هرمز، معالجة مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، والتوصل إلى اتفاق طويل الأمد بشأن البرنامج الصاروخي ودور إيران الإقليمي.
دبلوماسية “الرسائل السرية”: دور القاهرة والدوحة ولندن
في ظل غياب القنوات المباشرة بين واشنطن وطهران خلال الأيام الأخيرة، تحولت العواصم (القاهرة، الدوحة، ولندن) إلى غرف عمليات دبلوماسية لنقل الرسائل المتبادلة.
وأفادت المصادر بأن مصر وقطر أبلغتا الجانبين الأمريكي والإسرائيلي بوجود رغبة إيرانية في التفاوض، لكنها مشروطة بضمانات قاسية.
وتتمسك طهران بمطالب تشمل وقفا فوريا وشاملا لإطلاق النار، وضمانات دولية ملزمة بعدم استئناف الحرب مستقبلا، بالإضافة إلى بند “التعويضات المالية” عن الأضرار التي لحقت بليونيتها التحتية. ومع ذلك، وصف مسؤول أمريكي رفيع هذه المطالب بأنها “غير مقبولة”، مؤكدا أن واشنطن لن تقدم تنازلات قبل الحصول على التزامات إيرانية محددة وموثقة.
عراقجي ومضيق هرمز: الرهان الصعب
من جانبه، وضع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، شرطا وحيدا لتطبيع الوضع في مضيق هرمز، يتمثل في الوقف الكامل للهجمات الأمريكية والإسرائيلية وتقديم ضمانات قانونية بعدم تكرارها.
في المقابل، يبدو الرئيس ترامب منفتحا على فكرة الحوار من حيث المبدأ، لكنه يرفض بشكل قاطع وقف إطلاق النار في الوقت الراهن، معتبرا أن الضغط العسكري هو المحرك الوحيد للتنازلات السياسية.
وحول قضية “التعويضات”، تشير المصادر إلى أن واشنطن قد تدرس خيارا بديلا يتمثل في الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج كبادرة حسن نية، بدلا من دفع تعويضات مباشرة.
تحدي “صانع القرار” والوسيط البديل
يواجه صانعو السياسة في واشنطن معضلة “تحديد الهوية”؛ إذ يتساءلون: من هو صاحب القرار الفعلي في طهران القادر على إبرام اتفاق بهذا الحجم؟ كما تبرز أزمة “الوسيط الموثوق”، فبينما لعبت سلطنة عمان هذا الدور لسنوات، تبحث إدارة ترامب عن بديل جديد، وتم طرح اسم قطر كخيار مفضل.
غير أن الدوحة، بحسب تقرير أكسيوس، تفضل البقاء “خلف الكواليس” وعدم تولي دور رسمي علني في هذه المرحلة الحرجة، خشية التورط في تعقيدات الصراع المباشر.
إن المشهد الحالي يبدو وكأنه سباق بين الصواريخ والدبلوماسية؛ فبينما تشتعل منشآت الطاقة في الخليج وتتبادل الأطراف الضربات النوعية، تنسج في الخفاء خيوط صفقة قد تعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط للعقود القادمة، أو تدفع المنطقة نحو انفجار شامل لا تحمد عقباه.










