استفتاء شعبي يفتح ملف الذاكرة الاستعمارية ويقسم الشارع بين “محو الرموز” و“حماية التاريخ”
طرابلس- المنشر الإخباري
في خطوة تعكس صراعاً أعمق من مجرد تغيير أسماء شوارع أو مبانٍ، أطلقت بلدية وسط تربولى Tripoli مشاورات عامة لتغيير أسماء اثنين من أشهر المعالم التجارية التاريخية في قلب العاصمة، هما غاليري دي بونو (Galleria De Bono) وغاليري ماريوتي (Galleria Mariotti)، ما فتح باباً واسعاً من الجدل حول كيفية تعامل ليبيا مع إرثها الاستعماري، وهل يجب إزالة رموزه أم إعادة تفسيره.
الخطوة التي تبدو إدارية في ظاهرها، تحولت سريعاً إلى قضية رأي عام، خاصة أن المعلمين المعنيين لا يُعدان مجرد مبنيين تجاريين، بل جزءاً من ذاكرة المدينة وتاريخها العمراني، حيث يعود بناؤهما إلى فترة الوجود الإيطالي في ليبيا، وهي فترة ما زالت حاضرة في تفاصيل العاصمة حتى اليوم.
من ممرات تجارية إلى ساحة صراع تاريخي
غاليري دي بونو (Galleria De Bono)، التي شُيدت في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت نموذجاً للعمارة التجارية الحديثة في ذلك الوقت، بممراتها المغطاة ومساحاتها الداخلية الواسعة، وأصبحت مع الوقت مركزاً للحركة التجارية في وسط المدينة.
أما غاليري ماريوتي (Galleria Mariotti)، التي بُنيت في مرحلة لاحقة، فقد شكلت امتداداً للنشاط التجاري في وسط طرابلس، وأصبحت بدورها جزءاً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للعاصمة.
لكن المشكلة لا تتعلق بالمباني نفسها، بل بالأسماء التي تحملها، خاصة اسم القائد الإيطالي Emilio De Bono، المرتبط بتاريخ عسكري واستعماري في ليبيا، وهو ما دفع البعض للمطالبة بإزالة اسمه من الفضاء العام.
انقسام في الشارع الليبي
الجدل في ليبيا اليوم يدور بين اتجاهين رئيسيين:
الاتجاه الأول يرى أن استمرار أسماء مرتبطة بالاستعمار في قلب العاصمة أمر غير مقبول، وأن تغييرها خطوة ضرورية لإعادة الاعتبار للهوية الوطنية.
أما الاتجاه الثاني فيرى أن إزالة الأسماء لا تعني إزالة التاريخ، وأن هذه المباني تمثل جزءاً من التراث المعماري للمدينة، حتى وإن كانت تعود إلى فترة استعمارية، وأن الحل ليس في حذف الأسماء بل في شرح تاريخها.
وبين الرأيين، ظهر اتجاه ثالث يدعو إلى حل وسط، يقوم على إعادة تسمية المعالم بأسماء ليبية مع الاحتفاظ بالاسم القديم في لوحات تعريفية تشرح تاريخ المكان، بحيث لا يتم محو التاريخ ولا تمجيد رموزه في الوقت نفسه.
إعادة كتابة التاريخ… أم إعادة فهمه؟
القضية التي تبدو محلية في طرابلس، هي في الواقع قضية عالمية، حيث شهدت مدن كثيرة في السنوات الأخيرة نقاشات مماثلة حول إزالة تماثيل أو تغيير أسماء مرتبطة بفترات الاستعمار أو العبودية.
لكن خصوصية الحالة الليبية تكمن في أن جزءاً كبيراً من وسط Tripoli بُني خلال الفترة الإيطالية، ما يجعل أي قرار بإزالة الأسماء الاستعمارية قراراً معقداً، لأنه لا يتعلق باسم شارع فقط، بل بتاريخ مدينة كاملة.
ما الذي تريده طرابلس؟
الاستفتاء الذي أطلقته البلدية قد يبدو إجراءً إدارياً، لكنه في الواقع يطرح سؤالاً كبيراً:
هل تريد طرابلس أن تنسى تاريخها؟ أم أن ترويه من وجهة نظرها؟
بين من يرى في الأسماء الاستعمارية إهانة يجب إزالتها، ومن يراها جزءاً من التاريخ يجب فهمه، تقف العاصمة الليبية أمام لحظة مهمة في إعادة تعريف هويتها العمرانية والثقافية.
وقد لا يكون القرار النهائي مجرد تغيير اسم غاليري دي بونو (Galleria De Bono) أو غاليري ماريوتي (Galleria Mariotti)، بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة تعيد فيها ليبيا النظر في كل ما تركه الاستعمار في مدنها، ليس فقط في الأسماء، بل في الذاكرة نفسها.











