الجنرال باكستاني الذي يربط واشنطن وطهران: كيف يقود عاصم منير خطة وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز؟
إسلام آباد- المنشر الإخباري
في خضم المساعي الدبلوماسية المكثفة لإنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة وفتح مضيق هرمز، برز اسم الجنرال عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، كشخصية أساسية في الجهد الوسيط الذي قُدّم لطهران وواشنطن خلال الأيام الماضية. هذه الشخصية العسكرية، التي حظيت بثقة زعماء عالميين بينها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليست مجرد قائد عسكري عادي، بل رجل دولة ذو نفوذ واسع في باكستان والمنطقة.
نشأة ومسار عسكري طويل
وُلِد سيد عاصم منير أحمد شاه عام 1968 في مدينة راولبندي الباكستانية، وهي المدينة التي تُعد مركز القيادة العسكرية في البلاد. انضم منير إلى الجيش الباكستاني في عام 1986 بعد تخرّجه من مدرسة الضباط في مانغلا، حيث حصل على سيف الشرف للتميز كأبرز طالب في دفعته. تدرّج في المناصب العسكرية، خدم في عناصر المخابرات العسكرية ثم في المخابرات العامة الباكستانية “ISI” قبل أن يصل إلى أعلى المناصب العسكرية في الدولة.
منير شغل منصب مدير عام المخابرات العسكرية (MI) في 2017، ثم تم تعيينه في أكتوبر 2018 مديراً عاماً لجهاز الاستخبارات الباكستانية (ISI)، وهو جهاز معروف بنفوذه داخل السياسة الباكستانية والمنطقة. رغم إقالته من هذا المنصب بعد حوالي 8 أشهر، إلا أن مسيرته المهنية استمرت في الصعود، إذ تقلّد مناصب قيادية مهمة أخرى في الجيش، وتشمل قيادة فليق XXX في غوجرانوالا، ومنصب مدير التخطيط واللوجستيات قبل أن يصبح في نهاية المطاف قائد الجيش.
أعلى المناصب: قائد الجيش ورئيس هيئة الدفاع
في 29 نوفمبر 2022 تم تعيين عاصم منير كـ القائد الحادي عشر لجيش باكستان (Chief of Army Staff – COAS)، وهو المنصب العسكري الأعلى في البلاد، ما منحه تأثيراً واسعاً على السياسة الداخلية والخارجية. وفي 20 مايو 2025 تمت ترقيته إلى رتبة فيلد مارشال (Field Marshal) وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، لم يُمنحها أحد منذ أكثر من 60 عاماً، عندما أُعطي هذا اللقب للجنرال محمد أيوب خان عام 1965. هذه الترقية اعتُبرت تكريماً لقيادته خلال النزاعات العسكرية التي خاضتها باكستان، إضافةً إلى تعزيز دوره الاستراتيجي في قيادة المؤسسة العسكرية.
وبعد ذلك، في ديسمبر 2025، أُنشئت في باكستان منصب جديد هو رئيس هيئة القوات المسلحة المشتركة (Chief of Defence Forces)، وتولى منير هذا المنصب إلى جانب منصبه كقائد للجيش، مما يجعله القائد الأعلى لجميع فروع القوات المسلحة في البلاد، ما يعزز سلطته ومكانته داخل المؤسسة العسكرية والسياسية.
دوره في السياسة الداخلية وتوسّع النفوذ
على الرغم من الخلفية العسكرية التقليدية، لعب منير دوراً بارزاً في السياسة الداخلية الباكستانية خلال السنوات الأخيرة. إذ شهدت البلاد توترات سياسية كبيرة، لا سيما بعد إسقاط حكومة رئيس الوزراء السابق عمران خان ومحاولة اغتياله التي وقعت فقط أسابيع قبل تولّي منير منصب قائد الجيش، ما أدّى إلى تعزيز دور المؤسسة العسكرية في المشهد السياسي. زيارة منير إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أثبتت المكانة المتنامية التي يحظى بها خارج حدود باكستان، وقد أثنى ترامب عليه في عدة مناسبات، ما يعكس مستوى الثقة بين الطرفين.
كما لعب منير دوراً في إدارة أزمة الحدود مع أفغانستان، حيث اتهم مراراً حركة طالبان بالسماح بمسلحين من باكستان باستخدام الأراضي الأفغانية لتنفيذ هجمات ضد الأمن الباكستاني، وهدّد بشن ضربات في مناطق الحدود، ما يعكس استراتيجيته الأمنية المتشددة تجاه التهديدات التي تواجه بلاده.
من ناحية أخرى، يُنظر إلى نفوذه المتزايد داخل باكستان بقلق من بعض المراقبين، الذين يرون في تقوية منصبه وتوسّع صلاحياته تطوراً غير مسبوق منذ عقود، ما يثير مخاوف من انحراف التوازن بين المدني والعسكري في البلاد.
وسيط في النزاعات الإقليمية: من الهند إلى إيران
قد لا يرتبط اسم منير فقط بالسياسة الداخلية، لكنه يتخطّاها إلى ساحات الإقليمية الأكثر حساسية. ففي النزاع المستمر بين باكستان والهند، خصوصاً في كشمير، ظل منير يُعلن أن باكستان ستدافع عن مصالحها بقوة ويشدّد على ضرورة استمرار الضغط على نيودلهي، ما عزّز صورتَه كشخصية عسكرية لا تتردد في اتخاذ المواقف الحازمة.
وعلى الصعيد الإقليمي، يشكل الجنرال منير العمود الفقري في الوساطة الحالية التي تقودها باكستان مع الصين والولايات المتحدة لطرح خطة مرحلتين لوقف إطلاق النار بين إيران وأميركا وإعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، الذي يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. يسعى هذا المقترح، الذي عُرف إعلامياً باسم “اتفاق إسلام آباد”، إلى وقف فوري للقتال وإعادة تشغيل المضيق ثم الدخول في مفاوضات شاملة حول تسوية نهائية تشمل برنامج إيران النووي والعقوبات المفروضة عليها.
وقد لعب منير دور وسيط أساسي في بلورة هذا المقترح والتواصل مع المسؤولين الأميركيين من جانب، ومع قادة إقليميين آخرين من جانب آخر، ما يعكس الثقة التي منحها له ترامب وحلفاء دوليون آخرون في التعامل مع هذا الملف الحساس في اللحظة التي تزداد فيها المخاطر على أمن الطاقة العالمي.
شخصيته ومكانته في المؤسسة العسكرية
يُعرف الجنرال عاصم منير بأنه زعيم ذو خلفية استخباراتية قوية، وهو واحد من القادة القلائل الذين تولوا كلاً من منصب مدير المخابرات العسكرية ومدير جهاز الاستخبارات ISI قبل أن يصبح قائد الجيش. وقد ساعدت هذه الخلفية في فهمه العميق للتهديدات الأمنية المعقدة على المستوى الإقليمي، وكذلك في تعامله مع مشكلات الأمن الداخلي في باكستان.
كما يُذكر عنه أنه حافظ للقرآن الكريم كاملاً، وهو ما يُعد إنجازاً روحياً وثقافياً يعكس تقديراً قوياً للدين في شخصيته وخلفيته الاجتماعية. وقد استفاد من ذلك في تعزيز شرعيته لدى الأوساط الدينية في باكستان.
ختام: قائد مؤثر في مرحلة حسّاسة
اليوم، يقف الجنرال عاصم منير كرجل محوري في السياسة العسكرية والدبلوماسية ليس فقط في باكستان ولكن أيضاً على الساحة الإقليمية، حيث يجمع بين دور القائد العسكري الذي يواجه تحديات داخلية معقدة، ودور الوسيط الإقليمي الذي يسعى لتخفيف التصعيد في أكبر أزمات المنطقة الحالية.
بين نفوذه المتزايد داخل الجيش وقدرته على بناء قنوات تواصل مع قادة عالميين، يبقى منير شخصية مركزية في فهم التحولات الراهنة في جنوب آسيا والشرق الأوسط، وأحد الأسماء التي قد تُحدّد مسار العلاقات بين القوى الكبرى في السنوات القادمة.










