في لحظة فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، تتجه أنظار العالم صوب العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي تستعد يوم الجمعة الموافق 11 أبريل لاستضافة جولة مفاوضات مباشرة ومصيرية بين طهران وواشنطن.
هذا اللقاء، الذي يأتي في أعقاب إعلان وقف إطلاق نار مؤقت، لا يمثل مجرد تهدئة عسكرية، بل ينظر إليه كبداية لعملية إعادة صياغة شاملة للعلاقة بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة بعد عقود من العداء المرير.
تمثيل سيادي بوزن ثقيل
أفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا) بأن طهران قررت الدفع بواحد من أبرز رجالات الدولة ومراكز القرار، حيث سيترأس وفد إيران محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني.
ويحمل اختيار قاليباف دلالات سياسية عميقة؛ فهو يجمع بين الخلفية العسكرية والتنفيذية والتشريعية، مما يمنح الوفد الإيراني مرونة وصلاحيات واسعة للتوصل إلى تفاهمات كبرى تتطلب موافقة “نظامية” شاملة.
وفي المقابل، رفعت واشنطن مستوى التحدي الدبلوماسي بإيفاد نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، لتمثيل إدارة ترامب.
إن جلوس فانس وقالبياف على طاولة واحدة يعكس رغبة الطرفين في تجاوز “دبلوماسية الظل” أو الوسطاء، والقفز مباشرة إلى اتفاقات “الرؤساء” التي تهدف إلى إغلاق الملفات العالقة بقرارات سيادية عليا.
اقتراح النقاط العشر: تفكيك إرث 45 عاما
وكشفت “إسنا” أن المفاوضات ستتمحور حول “اقتراح إيراني مكون من 10 نقاط”، وهو مشروع طموح يتجاوز في مداه الاتفاق النووي التقليدي (JCPOA). وبحسب المصادر، فإن الإطار المقترح لا يركز فقط على البرنامج النووي أو الترتيبات الأمنية الإقليمية، بل يغوص في عمق الأزمة الاقتصادية من خلال المطالبة برفع كامل لجميع العقوبات الأولية والثانوية المفروضة على إيران، والتي يعود تاريخ بعضها إلى نحو 45 عاما، أي منذ اندلاع الثورة الإسلامية في عام 1979.
وتسعى إيران من خلال هذا المقترح إلى انتزاع اعتراف أمريكي بوضعها الاقتصادي والقانوني كدولة “طبيعية” في النظام المالي العالمي، مقابل تفاهمات أمنية تنهي حالة الاستنزاف المتبادل في الإقليم.
بيان المجلس الأعلى: “انتصار” تحت شروط قاسية
بالتزامن مع هذه التحضيرات، أصدر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بيانا اتسم بلهجة “الانتصار”، معتبرا أن قبول الولايات المتحدة بالتفاوض على أساس المقترحات الإيرانية يمثل تحولا استراتيجيا.
ووفقا للبيان، فإن اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الذي يمهد لهذه المفاوضات يتضمن التزامات أمريكية “جوهرية”، أبرزها:
عدم الاعتداء: التزام واشنطن من حيث المبدأ بوقف أي أعمال عدائية عسكرية ضد الأراضي الإيرانية.
السيادة على هرمز: اعتراف ضمني باستمرار سيطرة إيران الكاملة على مضيق هرمز، الممر الملاحي الأكثر حيوية للطاقة في العالم.
شرعية التخصيب: قبول الولايات المتحدة بحق إيران في التخصيب السلمي داخل أراضيها.
تصفية العقوبات والقرارات: رفع جميع العقوبات الأحادية، وإلغاء كافة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد طهران.
التعويضات والانسحاب: دفع تعويضات مالية لإيران عن الأضرار الناجمة عن العقوبات، وسحب القوات القتالية الأمريكية من المنطقة.
وحدة الساحات: وقف الأعمال العدائية على جميع الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية وحزب الله.
انقسام برلماني بين التفاؤل والشك
رغم نبرة النصر الصادرة عن المجلس الأعلى، إلا أن أروقة البرلمان الإيراني شهدت تباينا في التقييمات. وصف إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، وقف إطلاق النار المؤقت بأنه “استسلام ورضوخ كامل لمطالب إيران” من قبل الإدارة الأمريكية، معتبرا أن واشنطن لم تجد مفرا من القبول بالشروط الإيرانية لإنقاذ مصالحها المنهارة في المنطقة.
من جانبه، كشف النائب مالك شريعتي أن الإدارة الأمريكية قبلت حاليا المقترح الإيراني المكون من 10 نقاط كقاعدة لإنهاء الحرب، لكنه حذر من مغبة “الغدر الأمريكي” المعتاد، قائلا: “بالنظر إلى تاريخ أمريكا الطويل في نقض العهود وعدم الالتزام، فمن غير المرجح أن تفي بتعهداتها هذه المرة”.
وفي ذات السياق، وضع علاء الدين بروجردي، عضو لجنة الأمن القومي، حدا للتوقعات المفرطة، مؤكدا أن طهران لن تتنازل عن ثوابتها، وقال بوضوح: “إذا لم نتوصل إلى نتيجة عادلة وملموسة في مفاوضات إسلام آباد، فإن السياسة الإيرانية السابقة (المواجهة والصمود) ستستمر كما هي وبقوة أكبر”.
مستقبل المنطقة على المحك
تعد مفاوضات إسلام آباد المقررة يوم الجمعة اختبارا حقيقيا لمفهوم “الصفقة الكبرى” التي طالما لوح بها الرئيس ترامب، ومدى قدرة طهران على تحويل تفوقها الميداني إلى مكاسب قانونية واقتصادية دائمة.
إن إصرار إيران على شمول المفاوضات لملفات تعود لعام 1979 يعني أننا لا نتحدث عن “اتفاق نووي ثان”، بل عن “معاهدة صلح شاملة” قد تنهي أحد أطول الصراعات في العصر الحديث.
وبينما يتأهب قاليباف وفانس للطيران إلى باكستان، يظل الشارع الإيراني والإقليمي في حالة ترقب شديد؛ فإما أن تنتج “جمعة إسلام آباد” خريطة طريق لسلام مستدام يعيد الاستقرار لأسواق الطاقة ويهدئ الجبهات المشتعلة، أو أن تصبح مجرد محطة أخرى في سجل الصدام الطويل، خاصة مع التشكيك البرلماني في النوايا الأمريكية.
في الختام، شدد المجلس الأعلى للأمن القومي على ضرورة “المثابرة والحكمة” من قبل السلطات، والحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية، مؤكدا أن “وضع تفاصيل هذا النصر” يحتاج إلى نفس طويل ودبلوماسية صلبة خلف الطاولة، تماما كما كانت القوة صلبة في الميدان.










