أزمة دينية وسياسية تتفجر بين واشنطن والفاتيكان على خلفية الحرب على ايران
واشنطن – المنشر الإخباري
في تطور لافت يعكس تصاعد التوتر بين المؤسسة السياسية الأمريكية والمرجعية الدينية الكاثوليكية، اتهم كاهن وباحث كاثوليكي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانزلاق نحو خطاب يعكس “أزمة في الإيمان” وفشلًا استراتيجيًا، على خلفية انتقادات متبادلة مع الفاتيكان بشأن الحرب على إيران.
وجاءت هذه التصريحات بعد أن أدان البابا ليو الرابع عشر ما وصفه بـ“وهم العظمة المطلقة” الذي يقف خلف العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، وهو ما اعتبره البيت الأبيض موقفًا مسيّسًا، دفع ترامب إلى الرد بتصريحات هاجم فيها البابا واصفًا إياه بأنه “ضعيف في قضايا الجريمة والسياسة الخارجية”.
وفي مقابلة مع موقع برس تي في، قال الباحث الكاثوليكي كريستوفر كلوهيسي إن هجوم ترامب على البابا لا يمكن فصله عن حالة “الإحباط والغضب” الناتجة عن تعثر الحرب ضد إيران، معتبرًا أن واشنطن لم تحقق أهدافها العسكرية، وأن إيران خرجت في موقع أقوى على المستويين السياسي والمعنوي.
وأشار كلوهيسي إلى أن ما يجري في إيران منذ 28 فبراير، والذي تضمن هجمات عسكرية واسعة وعمليات اغتيال استهدفت مسؤولين إيرانيين وبنى تحتية مدنية، يعكس—بحسب تعبيره—تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع، وهو ما واجهه الفاتيكان بإدانة شديدة.
وأضاف أن البابا ليو الرابع عشر انتقد بشدة توظيف الخطاب الديني لتبرير العنف، معتبرًا أن ذلك يمثل انحرافًا خطيرًا عن القيم الروحية، وهو ما دفع ترامب إلى مهاجمته بشكل مباشر.
ويرى الباحث الكاثوليكي أن هذه الهجمات تعكس أيضًا ضغوطًا سياسية متزايدة على الرئيس الأمريكي، خاصة من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه استمرار التصعيد ضد إيران، في وقت يتزايد فيه داخل الولايات المتحدة تيار يطالب بالانسحاب من النزاعات في الشرق الأوسط.
كما أشار إلى أن ترامب أخطأ في تقدير موقف الفاتيكان، إذ اعتقد أن البابا الجديد سيكون أكثر مرونة في التعامل السياسي، إلا أن مواقفه جاءت أكثر صرامة واستقلالية من سلفه، ما أدى إلى تصاعد الخلاف.
وتطرق كلوهيسي إلى واقعة مثيرة للجدل، حين نشر ترامب صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ظهر فيها بهيئة مسيحية رمزية توحي بشفاء المرضى على طريقة السيد المسيح، قبل أن يتم حذفها لاحقًا بعد موجة انتقادات واسعة من داخل الولايات المتحدة وخارجها.
واعتبر الباحث أن هذا السلوك يعكس ارتباكًا في الخطاب السياسي والإعلامي للرئيس الأمريكي، مشيرًا إلى غياب آليات داخل النظام السياسي الأمريكي للحد من مثل هذه التصرفات المثيرة للجدل.
وفي سياق متصل، أكد أن هجوم ترامب على البابا لم يكن بسبب مواقف دينية بقدر ما هو رد فعل على خطاب الفاتيكان المناهض للحرب، موضحًا أن البابا لا يتدخل في السياسة الخارجية بقدر ما يعبر عن موقف أخلاقي يرفض العنف والقتل.
كما أشار إلى أن الفاتيكان يتمسك بفصل واضح بين الدين والدولة، وأن البابا يرى أن دوره يتمثل في الدفاع عن العدالة والسلام، لا في دعم أي طرف سياسي.
ولفت إلى أن البابا ليو الرابع عشر رفض دعوة من البيت الأبيض للمشاركة في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، مفضلًا قضاء وقته مع المهاجرين واللاجئين في لامبيدوزا، وهو ما اعتبره مؤشرًا إضافيًا على توتر العلاقة بين الطرفين.
وفي جانب آخر من تصريحاته، انتقد كلوهيسي ما وصفه بمحاولات بعض الدوائر السياسية الأمريكية تصوير الحرب على إيران باعتبارها “حربًا مقدسة”، مؤكدًا أن المفهوم المسيحي للحرب العادلة يشترط أن تكون الحرب خيارًا أخيرًا فقط، وهو ما لا ينطبق—بحسب قوله—على التدخل العسكري الأمريكي.
وأضاف أن الدوافع الحقيقية وراء السياسة الأمريكية في المنطقة ترتبط بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية، وليس بالقيم الدينية أو الأخلاقية.
واستحضر الباحث مثال استخدام الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن لمصطلح “الحملة الصليبية” عقب هجمات 11 سبتمبر، معتبرًا أنه كان توظيفًا دينيًا خاطئًا للصراع السياسي، بينما يستخدم ترامب—بحسب وصفه—خطابًا دينيًا فارغًا من المضمون الأخلاقي.
وختم كلوهيسي تصريحاته بالإشارة إلى أن فشل الولايات المتحدة في فهم طبيعة النظام الإيراني القائم على “ولاية الفقيه” أدى إلى سلسلة من الإخفاقات الاستراتيجية، مرجحًا استمرار هذا الفشل في حال استمرار السياسات الحالية.
كما انتقد ما وصفه بتراجع التضامن الإسلامي في مواجهة ما يتعرض له المسلمون، مشيرًا إلى أن بعض الدول غير الإسلامية اتخذت مواقف أكثر وضوحًا من دول إسلامية عديدة.
وأكد في ختام حديثه أن استخدام الرموز الدينية في الصراعات السياسية يمثل خطرًا على الإيمان نفسه، لأنه يحول المقدسات إلى أدوات في النزاعات السياسية، ويهدد القيم الروحية لكل من المسيحية والإسلام.










