طهران تتوعد بتغيير قواعد اللعبة البحرية وتعلن نهاية “هيمنة القوى البعيدة” على الممرات الاستراتيجي
طهران – المنشر الإخبارى
في تطور سياسي جديد يعكس مستوى التصعيد المتزايد في الإقليم، أطلق علي أكبر ولايتي، المستشار البارز لقائد الثورة الإسلامية في إيران، تحذيرات شديدة اللهجة، مؤكداً أن أي عمل عدائي يستهدف إيران أو حلفاءها في المنطقة لن يمر دون رد، بل سيؤدي إلى ما وصفه بـ“سلسلة من ردود الفعل المتتابعة” تمتد آثارها إلى عدة ساحات جيوسياسية حساسة.
وجاءت تصريحات ولايتي في منشور عبر منصة “إكس”، حمل رسائل سياسية وعسكرية غير مباشرة موجهة إلى أطراف إقليمية ودولية، في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متصاعداً على خلفية ملفات متعددة تشمل الأمن البحري، الصراعات العسكرية، والاصطفافات الإقليمية المتغيرة.
وأكد المسؤول الإيراني أن ما وصفه بـ“عصر فرض الأمن من خارج الحدود” قد انتهى، في إشارة واضحة إلى القوى الدولية التي لعبت تاريخياً دوراً رئيسياً في تأمين الممرات البحرية الاستراتيجية في الشرق الأوسط والمحيط الهندي.
وقال ولايتي إن أمن الممرات المائية الحيوية لم يعد رهيناً بالوجود العسكري الأجنبي، بل أصبح – بحسب تعبيره – تحت سيطرة القوى الإقليمية التي تمتلك القدرة والإرادة على حماية مصالحها.
مضيق هرمز في قلب الرسائل السياسية
ركزت تصريحات ولايتي بشكل خاص على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، إلى جانب مضيق ملقا وباب المندب، وهي نقاط اختناق استراتيجية تتحكم في حركة التجارة الدولية للطاقة.
وأوضح أن أمن مضيق هرمز ومضيق ملقا أصبح مرتبطاً بما وصفه بـ“قوة إيران وشركائها الاستراتيجيين”، في إشارة إلى شبكة التحالفات الإقليمية التي ترتبط بطهران في أكثر من ساحة.
وأضاف أن باب المندب، الذي يمثل بوابة رئيسية للبحر الأحمر وقناة السويس، بات أيضاً ضمن نطاق نفوذ حلفاء إيران في اليمن، في إشارة إلى جماعة “أنصار الله”، ما يعكس تصوراً إيرانياً واسعاً لمعادلة الأمن البحري في المنطقة.
وشدد ولايتي على أن أي محاولة لزعزعة الاستقرار في هذه الممرات لن تؤدي فقط إلى رد فعل مباشر، بل إلى ما وصفه بـ“سلسلة ردود متتابعة”، وهو تعبير يحمل دلالة على إمكانية اتساع نطاق المواجهة جغرافياً وسياسياً.
التصعيد في ظل بيئة إقليمية مشحونة
تأتي هذه التصريحات في سياق إقليمي شديد الحساسية، حيث تتداخل ملفات الأمن البحري مع النزاعات العسكرية والسياسية في أكثر من دولة في الشرق الأوسط.
وتشهد المنطقة منذ أشهر حالة من التوتر المرتفع نتيجة الصراعات الممتدة في عدة جبهات، إضافة إلى التنافس الدولي على الممرات البحرية التي تُعد شرايين أساسية لتجارة الطاقة العالمية.
ويرى مراقبون أن خطاب ولايتي يعكس مرحلة جديدة من “الردع السياسي الإيراني”، الذي يقوم على توسيع نطاق التأثير ليشمل الممرات البحرية الاستراتيجية، وليس فقط الجبهات البرية التقليدية.
كما يشير الخطاب إلى تحول في طريقة إدارة إيران لملف الأمن الإقليمي، عبر التركيز على مفهوم “السيطرة غير المباشرة” على الممرات الحيوية، من خلال حلفاء إقليميين وشبكات نفوذ ممتدة.
هجوم على التحركات الغربية في باريس
وفي سياق موازٍ، هاجم ولايتي اجتماعاً عُقد في العاصمة الفرنسية باريس، تناول مقترحات لتشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات بهدف تأمين مضيق هرمز.
ووصف الاجتماع بأنه “استعراض غير جاد”، معتبراً أن مثل هذه المبادرات تعكس، وفق رؤيته، محاولات خارجية لإعادة فرض النفوذ على الممرات البحرية في المنطقة.
ووجه انتقادات مباشرة إلى بريطانيا وفرنسا، مشيراً إلى أنهما إذا كانتا تسعيان فعلاً إلى تعزيز الأمن البحري، فعليهما التركيز على مشكلاتهما الداخلية وممراتهما المائية، بدلاً من التدخل في شؤون الممرات الإقليمية في الشرق الأوسط.
وأشار تحديداً إلى مضيق المانش وجبل طارق، في رسالة سياسية تحمل طابع المقارنة بين القضايا الأوروبية الداخلية والنزاعات البحرية في المنطقة العربية.
إشادة بمواقف أوروبية وانتقائية سياسية
وفي المقابل، أثنى ولايتي على موقف إسبانيا، واصفاً إياه بأنه “مستقل وحكيم”، في إشارة إلى رفضها الانخراط في بعض التوجهات الغربية المتعلقة بالتصعيد العسكري أو الأمني في المنطقة.
ويرى محللون أن هذا النوع من الخطاب يعكس محاولة إيرانية لتوسيع دائرة التأثير الدبلوماسي عبر استقطاب مواقف أوروبية متباينة، وإظهار وجود تباين داخل الموقف الغربي نفسه بشأن إدارة أزمات الشرق الأوسط.
البحر كساحة صراع جديد
تُظهر التطورات الأخيرة أن الممرات البحرية لم تعد مجرد مسارات للتجارة العالمية، بل أصبحت جزءاً من معادلة الصراع الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية.
ويعد مضيق هرمز تحديداً أحد أكثر النقاط حساسية في النظام الاقتصادي العالمي، نظراً لاعتماده الكبير على تدفق النفط والغاز عبره.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى تصريحات ولايتي على أنها جزء من استراتيجية ردع أوسع، تهدف إلى تأكيد قدرة إيران وحلفائها على التأثير في حركة التجارة العالمية إذا ما تصاعدت المواجهات السياسية أو العسكرية.
رسائل متعددة الاتجاهات
اللافت في خطاب ولايتي أنه لم يقتصر على تحذير جهة واحدة، بل حمل رسائل متعددة الاتجاهات:
- تحذير مباشر من أي استهداف لإيران أو حلفائها
- تأكيد على إعادة توزيع النفوذ في الممرات البحرية
- انتقاد للتحركات الغربية في إدارة أمن البحار
- وإشارات إلى بدائل إقليمية للمنظومات الأمنية التقليدية
ويشير ذلك إلى أن الخطاب لا يعكس فقط موقفاً سياسياً آنياً، بل يندرج ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل مفهوم الأمن البحري في المنطقة.
سيناريوهات مفتوحة على التصعيد
في ظل غياب مؤشرات على تهدئة قريبة، يرى خبراء أن استمرار هذا النوع من الخطابات قد يزيد من حالة التوتر في الممرات البحرية، خاصة في ظل ارتباطها المباشر بأسواق الطاقة العالمية.
كما أن استخدام تعبيرات مثل “سلسلة ردود فعل” يفتح الباب أمام احتمالات تصعيد غير مباشر قد يشمل أكثر من جبهة، سواء في البحر أو في مناطق نفوذ أخرى.
ويظل السؤال المطروح: هل تتحول هذه التصريحات إلى مجرد رسائل ردع سياسية، أم أنها تعكس فعلاً مرحلة جديدة من إعادة تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة؟
في كل الأحوال، يبدو أن الإقليم يدخل مرحلة أكثر حساسية، تتداخل فيها الجغرافيا بالسياسة، والبحر بالاقتصاد، والخطاب السياسي بالمخاوف الأمنية، ما يجعل أي تطور لاحق قابلاً لإعادة رسم المشهد بالكامل في الشرق الأوسط.










