بكين تعتبر الانسحاب من الاتفاق النووي أصل الأزمة وتدين الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية وسط تصاعد التوتر في الخليج
بكين – المنشر الإخباري
في تصعيد دبلوماسي لافت، وجّهت الصين انتقادات حادة إلى الولايات المتحدة، محمّلة إياها مسؤولية الجمود الحالي في المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي، ومطالبة واشنطن بإبداء “حسن نية حقيقي” للخروج من الأزمة المتفاقمة.
وجاء الموقف الصيني ضمن تقرير رسمي نشرته وزارة الخارجية في بكين حول تنفيذ معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، حيث اعتبرت أن السياسات الأمريكية، وعلى رأسها الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي، هي السبب الجوهري في تعقيد المشهد الدبلوماسي بين طهران وواشنطن.
وأكد التقرير أن الضربات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، سواء في يونيو 2025 أو في 28 فبراير 2026، تمثل “انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي ولمبادئ ميثاق الأمم المتحدة”، في إشارة إلى تصاعد النهج العسكري على حساب المسار التفاوضي.
وترى بكين أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018 لم يكن مجرد خطوة سياسية، بل نقطة تحول أدت إلى تفكيك الإطار الدبلوماسي الذي كان يضبط العلاقة مع إيران، وفتح الباب أمام موجات متتالية من التوتر.
ويُعد الاتفاق النووي، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، أحد أهم التفاهمات الدولية التي هدفت إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات، قبل أن ينهار بعد الانسحاب الأمريكي.
اتهامات متبادلة ومواقف متصلبة
في المقابل، تتمسك إيران بموقفها القائم على أن برنامجها النووي ذو طابع سلمي، ويقع ضمن حقوقها المشروعة وفق معاهدة عدم الانتشار، خاصة في مجالات الطاقة والبحث العلمي.
لكن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يزالون يشككون في هذه النوايا، معتبرين أن طهران تسعى لامتلاك القدرة التقنية لإنتاج سلاح نووي، وهو ما تنفيه إيران بشكل قاطع.
وتؤكد طهران أنها لم ولن تدرج أسلحة الدمار الشامل ضمن عقيدتها الدفاعية، حتى في ظل ما تصفه بـ”العدوان العسكري المباشر” الذي تعرضت له خلال الأشهر الماضية.
مفاوضات متعثرة على حافة الانهيار
تأتي هذه التطورات في وقت حساس، حيث استضافت باكستان جولة من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة يومي 11 و12 أبريل، بعد نجاحها في التوسط لوقف إطلاق نار مؤقت بدأ في 8 أبريل.
ورغم التوقعات بتحقيق اختراق، انتهت الجولة دون اتفاق، ما أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، وسط تقارير عن تحضيرات لجولة جديدة في العاصمة إسلام آباد.
غير أن طهران أبدت تحفظًا واضحًا، حيث أعلن رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف أن بلاده لن تقبل الدخول في مفاوضات “تحت التهديد”.
وأضاف أن السياسات الأمريكية، بما في ذلك فرض حصار بحري وانتهاك وقف إطلاق النار، تهدف إلى تحويل طاولة التفاوض إلى “أداة استسلام”، أو تمهيد الطريق لتصعيد عسكري جديد.
تصعيد بحري يهدد الملاحة الدولية
زاد من تعقيد المشهد، قيام البحرية الأمريكية باستهداف سفينة تجارية إيرانية في بحر عمان، في خطوة وصفتها طهران بأنها “قرصنة بحرية” وعمل إجرامي.
الحادثة أثارت قلقًا دوليًا، خاصة مع ارتباطها بممرات حيوية مثل مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم شرايين نقل النفط في العالم.
وفي هذا السياق، أعربت وزارة الخارجية الصينية عن قلقها من “الاعتراض القسري” للسفن، محذّرة من أن الوضع في المنطقة “حساس ومعقد”، وقد ينزلق نحو تصعيد أوسع إذا لم يتم احتواؤه.
خلفية استراتيجية: صراع يتجاوز الملف النووي
لا يقتصر الخلاف بين إيران والولايات المتحدة على البرنامج النووي، بل يمتد إلى صراع نفوذ أوسع في الشرق الأوسط، حيث تتداخل ملفات الأمن والطاقة والتحالفات الإقليمية.
ويرى مراقبون أن الموقف الصيني يعكس محاولة لإعادة التوازن في المشهد الدولي، عبر دعم الحلول الدبلوماسية ورفض النهج العسكري، خاصة في ظل سعي بكين لتعزيز دورها كوسيط عالمي.
في ظل تبادل الاتهامات وتصاعد التوترات الميدانية، يبدو أن فرص التوصل إلى اتفاق نووي جديد لا تزال بعيدة، بينما تزداد المخاطر المرتبطة بانزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
وبين دعوات الصين لـ”الصدق الدبلوماسي” وتمسك إيران بشروطها، وإصرار واشنطن على نهج الضغط، تبقى المفاوضات رهينة لحسابات سياسية معقدة قد تحدد مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.










