انقسام داخلي واسع بين تيار متشدد يرفض التسوية وآخر براغماتي يدفع نحو التهدئة يعيد تشكيل القرار السياسي في طهران
طهران – المنشر الإخبارى
لم يعد ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة مجرد قضية خارجية تُدار عبر قنوات دبلوماسية تقليدية، بل تحول خلال الفترة الأخيرة إلى ساحة صراع داخلي مفتوح داخل بنية النظام السياسي الإيراني، يكشف عن تباين عميق في الرؤى بين تيارات تمتلك نفوذاً داخل مؤسسات الدولة، وتتنافس على رسم مستقبل السياسة الخارجية للبلاد.
هذا الصراع، الذي كان يُدار لسنوات خلف الأبواب المغلقة، خرج إلى العلن مع تصاعد التسريبات والتصريحات المتبادلة بين أطراف سياسية نافذة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والعسكرية على طهران، ما جعل ملف التفاوض مع واشنطن أحد أكثر الملفات حساسية داخل الدولة الإيرانية.
في قلب هذا المشهد، يبرز رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف كأحد الأصوات التي حذرت من تعمق الانقسام الداخلي، في إشارة إلى وجود تيارات متعارضة داخل مؤسسات الحكم تتباين حول جدوى وجدول التفاوض مع الولايات المتحدة.
التيار المتشدد: رفض التفاوض كخيار استراتيجي
يتصدر المشهد داخل التيار الرافض لأي تسوية مع واشنطن اسم سعيد جليلي، المفاوض النووي السابق وأحد أبرز رموز المدرسة السياسية المتشددة داخل إيران.
يستند هذا التيار إلى رؤية أيديولوجية تعتبر أن التفاوض مع الولايات المتحدة لا يمثل مجرد خطوة سياسية، بل يحمل في طياته مخاطر استراتيجية تمس بنية النظام وهويته. ويُعرف هذا التوجه داخل الأوساط السياسية الإيرانية بمفهوم “عقيدة الصمود”، التي تقوم على فكرة أن أي تنازل في الملفات الكبرى قد يؤدي إلى سلسلة من الضغوط المتصاعدة تهدد استقرار الدولة.
وفق هذا التصور، فإن المواجهة مع الغرب ليست خياراً تكتيكياً مؤقتاً، بل مسار طويل المدى مرتبط بطبيعة النظام السياسي ذاته، حتى وإن ترتبت عليه كلفة اقتصادية أو عزلة دولية.
شبكة متماسكة داخل البرلمان والمؤسسات
ولا يقتصر التيار المتشدد على شخصيات فردية، بل يمتد إلى شبكة سياسية منظمة داخل البرلمان ومؤسسات الدولة، تضم عدداً من النواب والشخصيات السياسية البارزة، من بينهم أمير حسين ثابتي وحميد رسائي وإسماعيل كوثري.
هذه الشخصيات تُعد جزءاً من تيار أصولي واسع النفوذ، يعمل على تعزيز خطاب سياسي وإعلامي رافض لأي تقارب مع واشنطن، ويعتبر أن أي تسوية محتملة قد تُضعف من موقع إيران الاستراتيجي في المنطقة.
وتشير تحليلات سياسية إلى أن هذا التيار لا يتحرك من خارج النظام، بل من داخله، مستفيداً من نفوذه داخل البرلمان وبعض المؤسسات الإعلامية والدينية، ما يمنحه قدرة على التأثير في الرأي العام وصناعة المزاج السياسي الداخلي.
أدوات التأثير: الإعلام والدين والسياسة
يعتمد التيار الرافض للتفاوض على منظومة متكاملة من أدوات التأثير، تشمل الإعلام الرسمي، والمنابر الدينية، والخطاب السياسي داخل البرلمان، بهدف تشكيل رأي عام داخلي يميل إلى رفض أي تسوية مع الولايات المتحدة.
كما يتم استخدام الخطاب الأمني في تصوير التفاوض باعتباره مدخلاً لاختراق سياسي وثقافي، وليس مجرد عملية دبلوماسية، وهو ما يعزز حالة الانقسام داخل المجتمع السياسي الإيراني.
هذا الاستخدام المكثف للأدوات المؤسسية يجعل من هذا التيار قوة مؤثرة داخل الدولة، قادرة على تعطيل أو تأخير أي مسار تفاوضي لا يتماشى مع رؤيته.
التيار البراغماتي: حسابات الدولة والواقع
في المقابل، يظهر داخل النظام تيار آخر يميل إلى البراغماتية، يرى أن التفاوض مع الولايات المتحدة قد يكون ضرورة فرضتها التغيرات الإقليمية والضغوط الاقتصادية المتزايدة، إلى جانب تعقيد المشهد الدولي.
هذا التيار لا يعلن مواقفه بشكل مباشر في كثير من الأحيان، لكنه يعمل داخل مؤسسات الدولة على فتح قنوات تواصل دبلوماسية يمكن أن تخفف من حدة التوتر، دون الدخول في تنازلات جوهرية تمس الثوابت الأساسية.
ويستند هذا الاتجاه إلى رؤية تعتبر أن استمرار العزلة السياسية والاقتصادية قد يفرض كلفة أعلى على المدى الطويل، ما يجعل من إدارة التفاوض خياراً واقعياً وليس تنازلاً سياسياً.
صراع على هوية الدولة
المفارقة الأساسية في هذا المشهد أن الخلاف داخل إيران لم يعد محصوراً في تفاصيل السياسة الخارجية، بل أصبح يعكس صراعاً أعمق حول هوية الدولة نفسها.
فالسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه داخل مراكز القرار هو: هل تبقى إيران دولة ذات نهج ثوري قائم على المواجهة الدائمة، أم تتحول تدريجياً إلى دولة براغماتية تبحث عن تسويات تحفظ مصالحها في نظام دولي متغير؟
هذا السؤال لم يعد نظرياً، بل أصبح محوراً عملياً للصراع داخل مؤسسات الحكم، حيث يحاول كل تيار فرض رؤيته على مستقبل الدولة.
تعدد مراكز القرار وتعقيد المشهد
تكشف التطورات الأخيرة أن عملية صنع القرار في إيران لا تتم عبر مركز واحد، بل من خلال شبكة معقدة من المؤسسات والهيئات، ما يجعل الوصول إلى قرار موحد أمراً بالغ الصعوبة.
هذا التعدد في مراكز القوة يؤدي إلى حالة من التوازن غير المستقر، حيث تتقاطع رؤى مختلفة داخل النظام نفسه، دون أن يتمكن أي طرف من فرض سيطرة كاملة على مسار السياسة الخارجية.
هذه الحالة تفسر بطء الحسم في القضايا الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بالعلاقة مع الولايات المتحدة، والملفات الإقليمية الحساسة.
انعكاسات إقليمية ودولية
لا يقتصر تأثير هذا الانقسام على الداخل الإيراني فقط، بل يمتد إلى الإقليم بأكمله، حيث تتابع الأطراف الدولية والإقليمية عن كثب تطورات الموقف داخل طهران، لما له من تأثير مباشر على ملفات الأمن والطاقة والاستقرار في المنطقة.
كما أن استمرار هذا الانقسام الداخلي يجعل أي مفاوضات مستقبلية أكثر تعقيداً، في ظل غياب رؤية موحدة يمكن البناء عليها دبلوماسياً.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة باعتباره مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، بل هو انعكاس لصراع داخلي عميق داخل النظام الإيراني نفسه، يجمع بين أيديولوجيا متشددة تدفع نحو المواجهة، وبراغماتية سياسية ترى في التفاوض ضرورة للبقاء.
ومع استمرار هذا الانقسام، يبقى مستقبل السياسة الإيرانية مفتوحاً على عدة احتمالات، في ظل صراع داخلي مرشح للاستمرار، قد يحدد ليس فقط شكل العلاقة مع واشنطن، بل شكل الدولة الإيرانية نفسها في المرحلة المقبلة.










