واشنطن – المنشر الإخبارى
في تطور يعكس تصاعد القلق داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية من احتمالات انفجار الأوضاع في الشرق الأوسط، كشفت تقارير إعلامية عن أن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” تقدمت بطلب ميزانية جديدة تتضمن مخصصات ضخمة لتعزيز مخزونات الذخائر والصواريخ الاعتراضية، بالتوازي مع رفع مستوى الجاهزية القتالية للقوات المسلحة.
وبحسب ما نقلته وكالة “أسوشيتد برس” عن مسؤولين عسكريين أمريكيين، فإن الخطة الجديدة تشمل طلب نحو 30 مليار دولار مخصصة بشكل أساسي لشراء الذخائر، وصواريخ الدفاع الجوي، وأنظمة الاعتراض، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المخزون الاستراتيجي الذي تأثر خلال السنوات الماضية نتيجة تعدد ساحات الدعم العسكري الأمريكي حول العالم.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه المشهد الإقليمي حالة من الغموض السياسي والعسكري، خاصة مع استمرار التوترات المرتبطة بالملف الإيراني، وعدم وضوح مستقبل المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران، إلى جانب تصاعد التحذيرات من احتمال عودة المواجهات العسكرية في حال فشل المسارات الدبلوماسية.
إعادة توجيه الصناعة المدنية لدعم المجهود العسكري
وفي سياق متصل، كشفت تقارير نشرتها وسائل إعلام أمريكية، من بينها “وول ستريت جورنال”، أن البنتاغون بدأ بالفعل في التواصل مع شركات صناعية كبرى داخل الولايات المتحدة، مثل “فورد موتور” و“جنرال موتورز”، بهدف توسيع قدراتها الإنتاجية للمساهمة في تصنيع الذخائر والمعدات العسكرية.
ويعكس هذا التحرك توجهاً واضحاً نحو ما يمكن وصفه بـ“إعادة التعبئة الصناعية” لصالح القطاع الدفاعي، حيث يتم توظيف جزء من البنية الصناعية المدنية لخدمة الإنتاج العسكري، في خطوة تعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية مشابهة خلال الحرب العالمية الثانية، وكذلك خلال جائحة كورونا عندما تم تحويل خطوط إنتاج السيارات إلى تصنيع معدات طبية.
وبحسب خبراء عسكريين، فإن هذا النوع من التحول الصناعي يشير إلى استعداد طويل الأمد لاحتمالات تصعيد عسكري، وليس مجرد إجراءات احترازية قصيرة المدى، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بسرعة استهلاك الذخائر الحديثة في الحروب غير التقليدية.
ميزانية دفاعية غير مسبوقة
وتشير التقديرات إلى أن الميزانية الدفاعية الأمريكية الإجمالية باتت تقترب من 1.5 تريليون دولار، وهو رقم يعكس واحدة من أكبر عمليات الإنفاق العسكري في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
ويركز البنتاغون في خططه الحالية على ثلاثة محاور رئيسية: زيادة إنتاج الذخائر التقليدية، تعزيز قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، والتوسع في إنتاج الطائرات المسيّرة، التي أصبحت عنصراً محورياً في الحروب الحديثة.
ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك متزايد داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن طبيعة الصراعات المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على التفوق الجوي التقليدي، بل أصبحت ترتكز على استدامة الإمداد العسكري، والقدرة على إدارة حرب طويلة الأمد تعتمد على الاستنزاف التدريجي للخصم.
غموض سياسي يوازي التصعيد العسكري
ويتزامن هذا التحرك العسكري مع حالة من الضبابية تحيط بمسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن القضايا الخلافية، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه الأساسية المتعلقة بالملف النووي، والعقوبات الاقتصادية، والترتيبات الأمنية في المنطقة.
وتشير تقارير سياسية إلى أن أي انهيار في مسار التفاوض قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد، خصوصاً في ظل التحذيرات المتكررة من احتمالات استئناف العمليات العسكرية إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات واضحة خلال الفترة المقبلة.
وفي هذا السياق، كانت تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أثارت جدلاً واسعاً، بعد تأكيده أنه لا ينوي تمديد وقف إطلاق النار إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع إيران، محذراً من أن منشآت الطاقة الإيرانية قد تكون ضمن الأهداف المحتملة في حال تجدد المواجهة.
اقتصاد الحرب يعود إلى الواجهة
ويرى محللون أن ما يحدث داخل البنتاغون يعكس تحولاً تدريجياً نحو نمط “اقتصاد الحرب”، حيث يتم إعادة توجيه الموارد الصناعية والمالية لدعم البنية العسكرية، في ظل تصاعد التهديدات الجيوسياسية.
كما يشير خبراء إلى أن هذا النمط من الاستعداد لا يرتبط فقط بإيران، بل يأتي ضمن سياق عالمي أوسع يشمل التنافس مع قوى كبرى أخرى، وتزايد بؤر التوتر في أكثر من منطقة حول العالم، ما يدفع واشنطن إلى تعزيز قدرتها على خوض أكثر من صراع في وقت واحد.
تأثيرات على الأسواق العالمية
وفي المقابل، يحذر اقتصاديون من أن أي تصعيد عسكري محتمل في المنطقة، خاصة إذا ارتبط بالملف الإيراني وممرات الطاقة الحيوية، قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في أسواق النفط والغاز، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي.
كما أن استمرار حالة التسلح المكثف قد يعيد رسم أولويات الإنفاق الأمريكي، ويزيد من الضغوط على الميزانية الفيدرالية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية داخلية متزايدة.
سيناريو مفتوح على جميع الاحتمالات
وبينما تتسارع التحركات العسكرية في واشنطن، تبقى الصورة العامة مفتوحة على عدة سيناريوهات، تبدأ من استمرار “الردع الاستباقي” دون مواجهة مباشرة، مروراً بإمكانية التوصل إلى تفاهمات دبلوماسية جديدة، وصولاً إلى احتمال الانزلاق نحو تصعيد عسكري واسع إذا فشلت جهود التهدئة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تدخل مرحلة أكثر حساسية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والتجاذبات السياسية، ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد اتجاهات الصراع أو التسوية.











