لندن – المنشر الإخبارى
لم يعد وقف إطلاق النار في المواجهة بين واشنطن وطهران مجرد خطوة لخفض التصعيد، بل تحوّل إلى أداة ضغط معقدة تُدار بها الحرب من خلف الستار. فقرار الولايات المتحدة تمديد الهدنة، ثم تعديل مدتها أكثر من مرة، كشف أن المشهد لا يتجه نحو تسوية تقليدية بقدر ما يتحول إلى إدارة طويلة الأمد للأزمة عبر الزمن نفسه.
في هذا السياق، بدا التمديد الأمريكي وكأنه “نافذة مؤقتة” لا تهدف إلى إنهاء الحرب، بل إلى إعادة ترتيب شروط الجولة المقبلة من التفاوض، بعد تعثر المحادثات التي استضافتها إسلام آباد دون تحقيق اختراق حقيقي. وبينما كان يُتوقع أن يقود وقف إطلاق النار إلى تهدئة سياسية، تحوّل عمليًا إلى عنصر داخل معادلة الضغط المتبادل.
تمديد الهدنة: تهدئة معلنة وضغط غير معلن
تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن واشنطن تتعامل مع الهدنة باعتبارها أداة مرنة لإدارة الصراع، وليست خطوة نحو تسوية نهائية. فكل تمديد جديد لا يعني تخفيف التوتر، بل إعادة ضبط إيقاعه بما يخدم مسار التفاوض.
وبحسب مصدر دبلوماسي إقليمي، فإن الإدارة الأمريكية تستخدم الوقت كعنصر تفاوضي أساسي، عبر الإبقاء على حالة “لا حرب ولا سلام”، بما يسمح لها بالحفاظ على الضغط الاقتصادي والعسكري في آن واحد، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مكلفة.
هذا التوازن الدقيق يهدف إلى إبقاء الطرف الإيراني داخل دائرة استنزاف محسوبة، بحيث يدخل أي مفاوضات لاحقة وهو تحت تأثير الضغوط الميدانية والاقتصادية المستمرة.
إسلام آباد: جولة لم تُغلق الأبواب
المحادثات التي استضافتها إسلام آباد لم تحقق نتائج ملموسة، لكنها لم تفشل بالكامل أيضًا. فقد خرجت بجملة من التفاهمات الأولية التي بقيت عالقة بانتظار جولة جديدة.
لكن اللافت أن واشنطن، رغم تمديد الهدنة، واصلت في الوقت نفسه سياسة الضغط البحري على إيران، خاصة فيما يتعلق بالملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وهو ما اعتبرته طهران تناقضًا يفرغ أي حديث عن التهدئة من مضمونه.
في المقابل، أصرت إيران على أن أي تقدم في المسار التفاوضي يجب أن يسبقه وقف كامل للضغط، سواء العسكري أو الاقتصادي، معتبرة أن استمرار الحصار ينسف فكرة التفاوض المتكافئ من الأساس.
الزمن كسلاح تفاوضي
أحد أبرز التحولات في هذا الصراع يتمثل في تحويل “الوقت” إلى سلاح مستقل داخل المعادلة السياسية. فبدل أن يكون وقف إطلاق النار خطوة نحو الحل، أصبح جزءًا من أدوات الضغط.
واشنطن، وفق تحليل خبراء، لا تتعامل مع الهدنة كمرحلة انتقالية، بل كمساحة مرنة لإعادة تشكيل شروط التفاوض. كل يوم يمر دون تصعيد شامل يمنحها فرصة إضافية لإعادة توزيع أوراقها السياسية والعسكرية.
في المقابل، ترى طهران أن هذا “التجميد الزمني” ليس سوى شكل جديد من أشكال الحرب، لأنه يبقي حالة الاستنزاف قائمة دون حسم.
حسابات طهران: تفادي خسارة مزدوجة
إيران من جانبها تتحرك وفق معادلة دقيقة تقوم على منع انتقال الخسارة العسكرية إلى خسارة سياسية في طاولة التفاوض.
فالقيادة الإيرانية تدرك أن الدخول إلى جولة جديدة من المحادثات تحت ضغط الهدنة الممددة قد يفرض عليها تقديم تنازلات أكبر، خصوصًا في ملفات حساسة مثل البرنامج النووي وحركة الملاحة في الخليج.
لذلك، ربطت طهران أي تقدم في المسار السياسي بوقف ما تصفه بـ”الضغط المتزامن”، معتبرة أن استمرار العقوبات والحصار البحري يفرغ التهدئة من مضمونها.
البحر المفتوح.. نقطة اشتعال دائمة
من أبرز عناصر التوتر المستمر ملف الملاحة في مضيق هرمز، الذي ظل حاضرًا كعامل ضغط مباشر على الاقتصاد العالمي.
أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس فورًا على أسواق الطاقة، وهو ما يجعل كل تهديد بالتصعيد عاملًا حساسًا في الحسابات الدولية.
وبينما تعتبره واشنطن ورقة ضغط استراتيجية، تراه طهران جزءًا من سيادتها ومجالها الحيوي، ما يجعل أي تفاهم حوله شديد التعقيد، ويحول دون الوصول إلى صيغة نهائية مستقرة.
واشنطن بين التصعيد المحسوب وتجنب الحرب المفتوحة
الإدارة الأمريكية تجد نفسها أمام معادلة صعبة: التصعيد الكامل قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع، بينما التراجع الكامل قد يُفقدها أدوات الضغط الأساسية.
لذلك، يبدو خيار “إدارة الأزمة” هو المسار المفضل حاليًا، عبر إبقاء التوتر عند مستوى يمكن التحكم به، دون السماح له بالتحول إلى حرب شاملة.
هذا النهج يعتمد على مزيج من العقوبات، والضغط البحري، والتهديد العسكري المحدود، بالتوازي مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.
الجولة القادمة: تفاوض تحت ظل الحرب
كل المؤشرات تشير إلى أن الجولة المقبلة من المفاوضات، سواء عقدت في إسلام آباد أو في أي عاصمة أخرى، لن تكون منفصلة عن واقع التوتر العسكري القائم.
بل على العكس، ستدخل الأطراف إلى الطاولة وهي محمّلة بتراكمات الهدنة الممددة، والضغوط الاقتصادية، والتطورات الميدانية المستمرة.
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة، حيث يتحول التفاوض من مسار منفصل عن الحرب إلى امتداد مباشر لها.
معادلة مفتوحة بلا حسم
في المحصلة، لا يبدو أن الهدنة الحالية تمثل نهاية للصراع، بل إعادة تشكيل له داخل إطار أكثر تعقيدًا.
فواشنطن تستخدم الزمن كأداة ضغط، وطهران تستخدم الصمود كوسيلة مواجهة، وبين الطرفين تتسع مساحة الرمادي التي تتحرك فيها الأزمة دون حسم.
وهكذا يتحول وقف إطلاق النار من فرصة للسلام إلى “فخ زمني” يُعاد من خلاله رسم موازين القوة، في انتظار جولة جديدة قد لا تكون أقل توترًا من سابقتها، بل ربما أكثر تعقيدًا.










