ترامب يلوّح بالخيار العسكري لاستعادة اليورانيوم الإيراني
لندن – المنشر الإخبارى
تصاعدت لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الملف النووي الإيراني، مع تهديده المتكرر بإمكانية إرسال قوات أمريكية إلى داخل إيران، في محاولة لاستعادة ما وصفه بـ“الغبار النووي”، في إشارة إلى مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب المخزنة في مواقع سرية وتحت الأرض.
ويأتي هذا التصعيد في وقت بالغ الحساسية، إذ لا يزال مصير هذه المخزونات أحد أبرز نقاط الخلاف العالقة بين واشنطن وطهران، وسط مفاوضات متقطعة لم تصل إلى صيغة نهائية منذ سنوات.
وتؤكد الإدارة الأمريكية أنها ستسعى لاستعادة هذه المواد “بأي وسيلة كانت”، رغم اعتراف ترامب بأن تنفيذ مثل هذه العملية سيكون “طويلاً ومعقداً وصعباً”.
ما هو “الغبار النووي” الذي تتحدث عنه واشنطن؟
مصطلح “الغبار النووي” الذي يستخدمه ترامب لا يشير إلى مادة علمية بهذا الاسم، بل يُقصد به اليورانيوم عالي التخصيب، وهو المادة الأساسية التي يمكن استخدامها في إنتاج أسلحة نووية إذا تم رفع درجة تخصيبه إلى مستويات معينة.
وبحسب خبراء الطاقة النووية، فإن هذه المادة يمكن تحويلها إلى معدن يدخل لاحقًا في تصنيع الرؤوس النووية، ما يجعلها محورًا شديد الحساسية في أي مفاوضات تتعلق بالانتشار النووي.
وتعتقد أجهزة استخبارات غربية أن جزءًا من هذه المخزونات مخبأ في منشآت تحت الأرض داخل إيران، بعضها تعرض لضربات عسكرية سابقة دون أن يتم التأكد من حجم الأضرار أو مصير المواد المخزنة.
أرقام مقلقة: مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب
وفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كانت إيران قد أنتجت حتى منتصف عام 2025 نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
وتُعد هذه النسبة قريبة من المستوى المطلوب للاستخدام العسكري، وهو ما يثير قلقًا دوليًا واسعًا من إمكانية امتلاك إيران القدرة على إنتاج سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة إذا قررت ذلك.
في المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها النووي مخصص بالكامل لأغراض سلمية، وعلى رأسها توليد الطاقة، مشيرة إلى التزامها سابقًا بسقف تخصيب لا يتجاوز 3.67% وفق الاتفاق النووي الموقع عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة خلال الولاية الأولى لترامب.
ضربات سابقة لم تغيّر المعادلة
شهد عام 2025 ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت منشآت نووية في أصفهان وفوردو ونطنز، حيث أعلنت واشنطن حينها أن تلك العمليات سببت “أضرارًا جسيمة” في البنية التحتية النووية الإيرانية.
لكن تقارير لاحقة شككت في حجم هذا الضرر، مشيرة إلى أن إيران احتفظت بجزء كبير من قدراتها التقنية والمخزونات الحساسة، وهو ما أبقى الملف النووي مفتوحًا دون حسم.
ورغم هذه العمليات، ما يزال الموقع الدقيق لكامل المخزون النووي الإيراني غير معروف بشكل نهائي، بينما تقول واشنطن إنها تعتمد على الأقمار الصناعية لمراقبة التحركات المحتملة لهذه المواد.
بين التعقيد العسكري والاستحالة اللوجستية
يرى خبراء عسكريون أن تنفيذ أي عملية لاستخراج اليورانيوم من داخل إيران يمثل تحديًا غير مسبوق، سواء من الناحية اللوجستية أو الأمنية.
فبحسب تقديراتهم، فإن مثل هذه العملية قد تتطلب انتشارًا عسكريًا واسعًا داخل الأراضي الإيرانية، وتأمين منشآت تحت الأرض، إضافة إلى عمليات نقل معقدة وخطيرة.
ويشير بعض المسؤولين السابقين في مجال الحد من التسلح إلى أن تنفيذ مهمة من هذا النوع دون تعاون إيراني مباشر سيكون “شبه مستحيل”، فضلًا عن المخاطر العالية التي قد تواجه القوات الأمريكية في حال وقوع اشتباكات ميدانية.
طهران: البرنامج سلمي ومخزوننا داخل أراضينا
في المقابل، تتمسك إيران بموقفها التقليدي، مؤكدة أن برنامجها النووي موجه للأغراض السلمية فقط، وترفض بشكل قاطع أي فكرة تتعلق بنقل مخزونها النووي إلى خارج أراضيها.
وترى طهران أن الضغوط الأمريكية تستهدف تقويض سيادتها النووية، بينما تعتبر أن استمرار التخصيب ضمن حدود معينة حق مشروع في إطار الاستخدامات المدنية.
الملف النووي.. قلب الأزمة المستمرة
رغم التصعيد السياسي والعسكري، يظل الملف النووي الإيراني محورًا رئيسيًا في العلاقات المتوترة بين واشنطن وطهران.
وتشير تقارير دولية إلى أن إيران تمتلك القدرة التقنية على إعادة تشغيل برنامجها النووي بوتيرة سريعة في حال انهيار أي مسار تفاوضي نهائي، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.
وفي ظل استمرار الخلاف حول مصير اليورانيوم عالي التخصيب، تتمسك واشنطن بمطلب تفكيك المخزون أو نقله خارج إيران كشرط أساسي لأي اتفاق مستقبلي، بينما ترفض طهران ذلك بشكل قاطع.
مشهد مفتوح على تصعيد أو تفاوض
مع استمرار الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية، يبقى الملف النووي الإيراني أحد أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي.
وبين التهديد باستخدام القوة من جانب واشنطن، وتمسك طهران بحقها النووي، يظل المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، دون مؤشرات واضحة على تسوية قريبة، في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في الشرق الأوسط الحديث.










