تل أبيب- المنشر الإخباري
تزايدت في الأوساط الإعلامية الإسرائيلية قراءات مثيرة للجدل حول ما تصفه بعض المنصات بـ”إعادة تشكيل هندسة الأمن الإقليمي” في الشرق الأوسط، مع بروز تقارير تتحدث عن تقارب غير مسبوق بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان، في إطار تعاون دفاعي متعدد الأبعاد قد يحمل—بحسب هذه التحليلات—انعكاسات استراتيجية عميقة على ميزان القوى في المنطقة.
وقالت منصة “ناتسيف نت” الإسرائيلية إن ما يجري لا يمكن اعتباره مجرد تنسيق دبلوماسي أو تعاون عسكري تقليدي، بل “بداية تشكل محور أمني رباعي” يهدف إلى تقليل الاعتماد على القوى الغربية، وإعادة صياغة منظومة الردع الإقليمي في مواجهة التوتر المتصاعد بين إيران وإسرائيل.
من التعاون الثنائي إلى تصور “منظومة أمن رباعية”
وفق الطرح الإسرائيلي، فإن التقارب بين هذه الدول الأربع لم يعد يقتصر على ملفات منفصلة، بل يتجه نحو بناء شبكة مصالح متداخلة تشمل:
- اتفاقيات دفاع مشترك
- تعاون في الصناعات العسكرية
- تنسيق في ملفات الطاقة والأمن البحري
- دور متنامٍ في الوساطات الإقليمية
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن هذا التحول يعكس رغبة دول المنطقة في بناء “استقلالية أمنية نسبية” بعيداً عن المظلة الغربية التقليدية، خصوصاً مع تصاعد أزمات البحر الأحمر والخليج، وتزايد التهديدات العابرة للحدود.
“المظلة النووية الباكستانية”.. أخطر عناصر المعادلة
أكثر ما أثار الجدل في التحليلات الإسرائيلية هو إدراج باكستان—الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي—كطرف محتمل في ترتيبات دفاعية قد تمنح ما وصفته المنصة بـ”مظلة ردع نووي غير مباشرة”.
وتذهب هذه القراءة إلى أن الاتفاق الدفاعي الموقع بين السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، والذي ينص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يُعد اعتداءً على الآخر، قد يُفسر إسرائيلياً على أنه تطور نوعي في مفهوم الردع الإقليمي.
وتحذر التحليلات من أن هذا النموذج، حتى وإن لم يكن نووياً بشكل مباشر، قد يغير حسابات التوازن العسكري في المنطقة، خصوصاً في ظل امتلاك باكستان لصواريخ بعيدة المدى قادرة نظرياً على الوصول إلى عمق الشرق الأوسط.
تعاون عسكري وتكنولوجي متسارع
تشير التقارير إلى أن التعاون بين الدول الأربع لا يقتصر على الإطار السياسي، بل يمتد إلى مشاريع عسكرية متقدمة، من بينها:
- تطوير طائرات الجيل الخامس بالتعاون التركي–السعودي
- توسيع استخدام الطائرات المسيّرة
- تدريبات عسكرية مشتركة
- تنسيق في الدفاع الجوي
كما تحدثت مصادر إعلامية عن وصول قوات أو منظومات دفاعية باكستانية إلى السعودية في فترات سابقة، في إطار تفعيل الاتفاقيات الدفاعية المشتركة.
قراءة إسرائيلية: “تحول في ميزان الردع”
بحسب التحليل الإسرائيلي، فإن أخطر ما في هذا التوجه ليس فقط التعاون العسكري، بل “تحول فلسفة الأمن الإقليمي”، حيث لم تعد بعض الدول تعتمد فقط على الردع الأمريكي، بل تسعى إلى بناء منظومات ردع متعددة المستويات.
وترى هذه القراءة أن ظهور كتلة إقليمية بهذا الحجم قد:
- يقلص هامش الحركة العسكرية لبعض الأطراف
- يخلق توازنات ردع جديدة في مواجهة إيران
- يعيد تعريف دور إسرائيل الاستراتيجي في المنطقة
- ويزيد من تعقيد حسابات الولايات المتحدة نفسها
إيران في قلب الحسابات
في المقابل، تشير التحليلات الإسرائيلية إلى أن إيران تنظر إلى أي تقارب من هذا النوع باعتباره تطوراً مقلقاً، لأنه يضعها أمام بيئة إقليمية أكثر تماسكاً من الناحية الأمنية.
وتحذر هذه القراءات من أن طهران قد ترد عبر:
- تعزيز أدوار الوكلاء الإقليميين
- زيادة الضغط في الساحات البحرية
- تسريع برامجها العسكرية غير التقليدية
- أو استخدام أوراق التفاوض النووي بشكل أكثر حدة
موقف إسرائيل: قلق من “تآكل النفوذ”
ترى دوائر تحليل إسرائيلية أن هذا التحول المحتمل قد يؤدي إلى تراجع قدرة إسرائيل على التأثير المباشر في توازنات الإقليم، خصوصاً إذا ما تشكل محور قادر على:
- تنسيق مواقف سياسية موحدة
- إدارة ملفات الأمن الإقليمي دون وسيط خارجي
- فرض معادلات جديدة في التفاوض مع واشنطن
- وتقييد هامش العمليات العسكرية المنفردة
كما تشير بعض التحليلات إلى أن دخول باكستان—كقوة نووية—على خط الترتيبات الإقليمية يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى معادلة الردع التقليدية.
بين الواقع والمبالغة التحليلية
ورغم حدة هذه الطروحات، فإن خبراء دوليين يشيرون إلى أن الحديث عن “تحالف عسكري نووي رباعي” ما زال في إطار التقديرات والتحليلات أكثر من كونه واقعاً مؤسسياً مكتمل الأركان.
فالعلاقات بين هذه الدول، رغم تطورها، لا تزال محكومة باعتبارات:
- تباين المصالح الجيوسياسية
- اختلاف التحالفات الدولية
- حساسية العلاقات مع الولايات المتحدة
- وتعقيدات الملفات الإقليمية المفتوحة
بين تحذيرات إسرائيلية متصاعدة وتطورات إقليمية سريعة، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات، حيث لم تعد معادلات الأمن التقليدية كافية لتفسير التحولات الجارية.
لكن ما إذا كان هذا التقارب سيتحول إلى “محور استراتيجي متماسك”، أم سيبقى في إطار التنسيق المرحلي، يظل سؤالاً مفتوحاً تحكمه تطورات السياسة الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.










