طهران – المنشر الإخبارى
في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية وتزداد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، يعود مضيق هرمز إلى واجهة المشهد كأخطر نقطة اختناق في الاقتصاد الدولي، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل بسبب المعادلة السياسية المعقدة التي تحكمه، والتي باتت – وفق تقديرات خبراء – تجعل إعادة فتحه الكامل مرهونة بشكل مباشر بموافقة إيران.
شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره يوميًا ما بين 20 إلى 21 مليون برميل من النفط الخام، أي ما يقارب ربع الاستهلاك العالمي من البترول السائل، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال.
ويربط المضيق بين الخليج العربي وبحر عمان، ما يجعله شريانًا حيويًا لصادرات النفط من دول رئيسية مثل السعودية والعراق والإمارات والكويت، فضلًا عن إيران نفسها، وهو ما يفسر حساسية أي اضطراب فيه وتأثيره الفوري على الأسواق العالمية، خاصة في آسيا.
ألغام بحرية وتعطّل الملاحة
في هذا السياق، حذر خبير الطاقة الدكتور ممدوح سلامة من أن التهديدات التي تواجه المضيق لم تعد نظرية، بل أصبحت واقعية ومباشرة، مشيرًا إلى أن الألغام البحرية تمثل أحد أخطر التحديات التي تعيق حركة الملاحة.
وأوضح أن هذه الألغام تعرقل مرور ناقلات النفط والسفن التجارية، ما يؤدي إلى تعطيل تدفق الإمدادات ورفع تكلفة التأمين والشحن، وبالتالي زيادة الضغط على أسعار الطاقة عالميًا.
“لا فتح دون إيران”.. معادلة جديدة
اللافت في تصريحات سلامة كان تأكيده أن أي محاولة لإعادة فتح المضيق بشكل كامل لن تنجح دون تفاهمات مباشرة مع إيران، التي باتت – بحسب وصفه – تتعامل مع المضيق كأداة ضغط استراتيجية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة، رغم قوتها العسكرية، لن تتمكن من فرض فتح كامل وآمن للممر الملاحي دون التنسيق مع طهران، التي تمتلك القدرة على التأثير الميداني المباشر في المضيق.
ووصف الخبير هذا النفوذ بأنه يشبه “سلاحًا نوويًا اقتصاديًا”، يمكن لإيران استخدامه لمواجهة الضغوط أو كسر أي حصار مفروض عليها.
تداعيات اقتصادية عالمية
لا تقتصر تداعيات الأزمة على المنطقة فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، حيث يؤدي أي اضطراب في المضيق إلى:
- ارتفاع أسعار النفط بشكل فوري
- زيادة تكاليف النقل والشحن
- اضطراب سلاسل الإمداد
- ضغوط تضخمية على الأسواق العالمية
وقد شهدت الأسواق بالفعل ارتفاعًا في أسعار النفط بنسبة تقارب 0.7% خلال التعاملات الأخيرة، مدفوعة بمخاوف نقص الإمدادات إلى جانب عوامل اقتصادية أخرى.
أوروبا بين التضرر والحذر
في المقابل، أشار سلامة إلى أن الدول الأوروبية، رغم كونها من أكثر الأطراف تضررًا من أي تعطيل في الإمدادات، لا تعتبر الصراع مع إيران حربًا تخصها بشكل مباشر، وهو ما يفسر حذرها في الانخراط العسكري.
لكنه حذر في الوقت نفسه من أن أي تحرك عسكري أوروبي محتمل في المضيق قد يواجه بردود فعل مباشرة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويهدد بتوسيع نطاق الأزمة.
بين التصعيد والحلول الدبلوماسية
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري، بل تحول إلى ورقة ضغط جيوسياسية معقدة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية.
وبينما تتزايد المخاوف من تصعيد قد يعطل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، تتجه الأنظار إلى الحلول الدبلوماسية كخيار وحيد لتجنب سيناريوهات أكثر خطورة، قد يدفع ثمنها الاقتصاد العالمي بأكمله.
مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
مع استمرار التوترات، تبقى المعادلة الأكثر وضوحًا حتى الآن: لا استقرار في أسواق الطاقة دون استقرار مضيق هرمز، ولا استقرار في المضيق دون تفاهمات سياسية مع الأطراف الفاعلة، وعلى رأسها إيران.
وفي ظل هذا الواقع، يظل السؤال مفتوحًا: هل ينجح العالم في تفكيك هذه الأزمة قبل أن تتحول إلى صدمة اقتصادية عالمية جديدة؟










