تودع مصر غدا الأحد، واحدة من أيقونات الزمن الجميل وأبرز نجمات الرقص الشرقي والاستعراض في تاريخ السينما العربية، الفنانة سهير زكي، التي رحلت عن عالمنا بعد صراع مع المرض، مخلفة وراءها إرثا فنيا فريدا ومدرسة استعراضية لم يكررها الزمن.
تفاصيل مراسم الجنازة والدفن
أعلنت أسرة الفنانة سهير زكي أن صلاة الجنازة ستقام غدا الأحد عقب صلاة الظهر من مسجد الشرطة بمدينة الشيخ زايد في محافظة الجيزة.
وأوضحت منة صلاح، زوجة نجل سهير زكي، أن الجثمان سيوارى الثرى في مقابر العائلة بطريق الفيوم في مدينة 6 أكتوبر، وسط توقعات بحضور حاشد من زملاء المهنة ومحبي الفنانة التي اعتزلت الأضواء منذ عقود لكنها ظلت حاضرة في وجدان الجمهور.
وكانت سهير زكي قد تعرضت لأزمة صحية حادة في الآونة الأخيرة، نقلت على إثرها إلى العناية المركزة، حيث عانت من جفاف شديد ومشكلات مزمنة في الرئة، قبل أن تفيض روحها اليوم السبت.
مدرسة “السهل الممتنع” ونبوءة أم كلثوم
لم تكن سهير زكي، ابنة مدينة المنصورة، مجرد عارضة لفنون الاستعراض، بل كانت “مؤسسة” فطرية لمدرسة خاصة عرفت بـ “السهل الممتنع”. انتقلت من أزقة المنصورة إلى أضواء القاهرة، متسلحة بموهبة نادرة في ترجمة الأنغام الموسيقية المعقدة إلى حركات انسيابية ناعمة، بعيدة كل البعد عن الصخب أو الابتذال.
تسجل كواليس الفن المصري لسهير زكي جرأة لم تسبقها إليها غيرها، حين قررت الرقص على ألحان “أنت عمري” لـ كوكب الشرق أم كلثوم. وتروى قصة شهيرة عن غضب “الست” المبدئي من تحويل أغانيها إلى لوحات استعراضية، لكنها حين شاهدت سهير في إحدى الحفلات، ذهلت من دقة الأداء وقالت جملتها التاريخية: “كنت ناوية لك على نية سودة، لكن لقيتك بتغني بجد بجسمك”.
لقب من البيت الأبيض وإعجاب سوفيتي
تجاوزت شهرة الراحلة الحدود المحلية لتصبح سفيرة للفن المصري في المحافل الدولية. ففي عام 1974، وخلال زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون لمصر، رقصت سهير في حفل العشاء الرسمي، فانبهر نيكسون بأدائها لدرجة أنه أطلق عليها لقب “Zagreeta” (زغاريطة)، وهو اللقب الذي احتفت به الصحافة العالمية حينها.
ولم يقف التأثير عند الغرب، بل امتد للمعسكر الشرقي؛ حيث أبدى وزير الدفاع السوفيتي أندري غريتشكو إعجابا كبيرا بفنها، معتبرا إياه نوعا رفيعا من الفن الشعبي الذي يستحق التقدير، في شهادة نادرة لراقصة شرقية داخل أروقة النظام السوفيتي الصارم آنذاك.
الاعتزال في أوج المجد
في مطلع التسعينيات، وبينما كانت في قمة تألقها ورشاقتها، اتخذت سهير زكي قرارا مفاجئا بالاعتزال. لم تكن خلف القرار ضغوط خارجية، بل كانت رغبة شخصية في الحفاظ على صورتها الذهنية المتألقة لدى جمهورها، ولتتفرغ لحياتها الأسرية بجانب زوجها المصور محمد عمارة.
برحيل سهير زكي، تطوى صفحة مشرقة من صفحات الرقي الفني. رحلت الراقصة التي هزت عروش القلوب بهزة كتف واحدة، والتي استطاعت أن تفرض فنها داخل القصور الرئاسية والمحافل الدولية، لتبقى ذكراها خالدة كأيقونة للجمال والرقي والاحترافية التي لا تغيب.










