طهران – المنشر الإخبارى
يمثل منجم الذهب “قلقلـه” (Qolqoleh) واحداً من أبرز مشاريع التعدين الحديثة في إيران، حيث تحوّل خلال السنوات الأخيرة من موقع جيولوجي خامد إلى أحد أهم ركائز إنتاج الذهب المحلي، في خطوة تعكس توجه الدولة لتعزيز قدراتها في قطاع المعادن الثمينة وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويقع المنجم على بُعد نحو 15 كيلومتراً جنوب غربي مدينة سقز في محافظة كردستان، داخل نطاق حزام “سنندج–سيرجان” الجيولوجي، المعروف بغناه بالمعادن، ليصبح بذلك نقطة محورية في خريطة التعدين الإيرانية.
موقع جيولوجي فريد وتكوين معقد
ينتمي منجم قلقلـه إلى نوع “الذهب الأوروجيني”، وهو أحد أهم أنواع التمعدن المرتبطة بالحركات التكتونية العميقة في القشرة الأرضية، والتي نشأت نتيجة اصطدام الصفائح العربية والإيرانية خلال العصور الجيولوجية القديمة.
ويتميز الموقع بوجود تشكيلات صخرية متحولة تشمل الصخور البركانية والرسوبية، إلى جانب طبقات من الشيست والرخام والحجر الجيري، ما وفر بيئة مثالية لتجمع المعادن الثمينة عبر ملايين السنين.
وتتركز التمعدنات الذهبية داخل مناطق قصّ جيولوجي شديدة الانحدار، تشكلت بفعل الضغط والحركة التكتونية، ما أدى إلى تكوين عروق كوارتز حاملة للذهب تمتد لمسافات طويلة تحت سطح الأرض.
احتياطي ضخم وتدرج في الاكتشاف
بدأت عمليات الاستكشاف في المنطقة خلال منتصف التسعينيات، حينما أطلقت هيئة المسح الجيولوجي الإيرانية دراسات أولية كشفت عن وجود مؤشرات قوية للذهب.
وبحلول عام 2008، تم تأكيد وجود نحو 7.3 مليون طن من الخام، قبل أن ترتفع التقديرات لاحقاً بشكل كبير نتيجة أعمال الحفر والدراسات الإضافية.
ووفق أحدث البيانات، بلغ الاحتياطي المؤكد نحو 10.29 مليون طن، مع احتياطات محتملة تصل إلى 25 مليون طن، بينما تشير التقديرات إلى متوسط تركيز للذهب يتراوح بين 1.2 و3.5 غرام للطن، مع عينات وصلت إلى مستويات أعلى بكثير في بعض المناطق.
تطور مراحل التعدين والاستخراج
يمر تكوين الذهب في منجم قلقلـه بثلاث مراحل رئيسية من التمعدن، تبدأ بترسب الكوارتز والبيريت، ثم تتطور إلى مراحل أكثر تعقيداً تشمل معادن الكبريتيدات والذهب، وصولاً إلى المرحلة الثالثة التي تتضمن خليطاً معدنيا متنوعا من الذهب والمعادن المرافقة مثل النحاس والحديد والزرنيخ.
وتشكل هذه المراحل نموذجاً نموذجياً للتمعدن الأوروجيني، حيث يتوزع الذهب بين شقوق دقيقة داخل الصخور أو في شكل انتشار دقيق داخل الكتلة الصخرية.
مشروع صناعي متكامل في سقز
يُعد مشروع مصنع استخراج الذهب في مدينة سقز القلب الصناعي للمنجم، حيث تم تصميمه لإنتاج سبائك ذهب نقية تصل إلى 99.99% باستخدام تقنية “الترشيح بالكربون داخل اللب”.
ويبلغ حجم الاستثمار في المشروع أكثر من 65 مليون دولار، مع قدرة معالجة تصل إلى 500 ألف طن من الخام سنوياً، وإنتاج يصل إلى نحو 500 كيلوغرام من الذهب سنوياً.
وانطلقت أعمال البناء رسمياً عام 2023، بعد سنوات من التأجيل بسبب التحديات البيئية والتقنية، قبل أن يبدأ التشغيل الفعلي في منتصف عام 2025.
تحديات بيئية وتأجيلات طويلة
واجه المشروع سلسلة من التحديات، أبرزها المخاوف البيئية المتعلقة باستخدام المواد الكيميائية في الاستخلاص، خاصة تأثيرها المحتمل على السدود والأنهار في المنطقة.
وقد دفعت هذه المخاوف إلى إعادة تقييم موقع المصنع عدة مرات، قبل اختيار موقع نهائي يوازن بين متطلبات الإنتاج وحماية البيئة.
كما تم اعتماد أنظمة تقنية متقدمة للحد من أي تسربات محتملة، لضمان توافق المشروع مع المعايير البيئية المحلية.
بُعد اقتصادي وتنموي للمنطقة
يمثل منجم قلقلـه مشروعاً استراتيجياً لمحافظة كردستان، ليس فقط من حيث الإنتاج، بل أيضاً من حيث خلق فرص العمل والتنمية المحلية.
ومن المتوقع أن يوفر المشروع مئات الوظائف المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى تعزيز الصناعات المرتبطة مثل التكرير وصناعة المجوهرات.
كما يجري العمل على نقل بعض المقرات الإدارية إلى مدينة سقز، بما يعزز العائدات المحلية ويزيد من مساهمة المشروع في الاقتصاد الإقليمي.
رؤية استراتيجية لقطاع التعدين الإيراني
تسعى الشركات المشغلة للمشروع إلى تحويله إلى نموذج وطني في إدارة المناجم، عبر تطبيق معايير الجودة الدولية وتوسيع نطاق الاستكشاف لزيادة الاحتياطيات.
كما تتضمن الخطط المستقبلية رفع الإنتاج وتحسين كفاءة التشغيل وتوسيع سلاسل القيمة المضافة داخل إيران بدلاً من تصدير الخام فقط.
يمثل منجم قلقلـه نموذجاً واضحاً لتحول قطاع التعدين في إيران من مشاريع تقليدية إلى استثمارات صناعية متكاملة تجمع بين التكنولوجيا الحديثة والاعتبارات الاقتصادية والبيئية، ليصبح أحد أهم مشاريع الذهب في غرب البلاد خلال العقد الأخير.










