تحركات سياسية وأمنية متسارعة تكشف ملامح مشروع جديد لإدارة غزة بعيدًا عن الفصائل الفلسطينية، وسط اتهامات للإمارات بتوسيع تعاونها مع واشنطن وتل أبيب في ملفات تتجاوز إعادة الإعمار إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية داخل القطاع.
أبوظبي- المنشر الإخبارى
كشفت تقارير إعلامية عن تقديم دولة الإمارات العربية المتحدة تمويلًا بقيمة 100 مليون دولار لما يُعرف بـ”مجلس السلام” الذي يدعمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف إنشاء قوة شرطة جديدة في قطاع غزة تتولى مهام أمنية وإدارية بدعم أمريكي وإسرائيلي مباشر.
ووفقًا لما أوردته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، نقلًا عن مسؤول أمريكي ودبلوماسي من الشرق الأوسط، فإن التمويل الإماراتي جرى تحويله خلال الأيام الماضية لدعم خطة تشكيل جهاز أمني جديد داخل غزة، في إطار مشروع أوسع لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد الحرب.
قوة أمنية جديدة لإدارة غزة
وبحسب التقارير، يجري العمل على تأسيس قوة شرطة قوامها نحو 27 ألف عنصر، تعمل تحت إشراف ما يسمى “اللجنة الوطنية لإدارة غزة”، وهي هيئة تضم شخصيات فلسطينية توصف بأنها “تكنوقراط”، كُلفت من قبل “مجلس السلام” وإسرائيل بإدارة القطاع.
ورغم الإعلان عن تشكيل اللجنة قبل نحو ثلاثة أشهر، فإن أعضاءها لم يتمكنوا حتى الآن من دخول غزة، بسبب ما وصفته المصادر بـ”العقبات الأمنية ونقص التمويل”، قبل أن تأتي المساهمة الإماراتية الأخيرة لإنعاش المشروع.
وأكدت التقارير أن عمليات تجنيد عناصر القوة الأمنية بدأت بالفعل منذ فبراير الماضي، على أن يخضع جميع المنتسبين لتدقيق أمني من جهاز “الشاباك” الإسرائيلي، في خطوة تعكس حجم التنسيق الأمني المباشر بين الجهات المشرفة على المشروع والسلطات الإسرائيلية.
تدريب في مصر والأردن
وأشارت المصادر إلى أن شركة أمنية إماراتية ستتولى تدريب عناصر القوة الجديدة داخل معسكرات خاصة في مصر والأردن، قبل الدفع بهم إلى قطاع غزة لتنفيذ مهام أمنية وإدارية.
وتتضمن الخطة، وفق التسريبات، نشر هذه القوات في مناطق مختلفة داخل القطاع، إلى جانب تنفيذ عمليات لجمع السلاح تحت عنوان “فرض الاستقرار ومنع الفوضى”، وهو ما تعتبره فصائل فلسطينية محاولة لإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي في غزة بما يخدم الرؤية الإسرائيلية الأمريكية.
ويرى مراقبون أن المشروع يمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة الدور الإقليمي لبعض الدول العربية داخل الملف الفلسطيني، خصوصًا مع انتقال الدعم من المسارات الإنسانية والإغاثية إلى الانخراط المباشر في ترتيبات أمنية ميدانية.
أزمة تجنيد داخل الجيش الإسرائيلي
وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه الجيش الإسرائيلي أزمة حادة في القوى البشرية، نتيجة اتساع رقعة المواجهات واستمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة.
وتقول تقارير غربية إن تل أبيب تسعى إلى تقليل الاعتماد على قواتها النظامية داخل غزة عبر إنشاء هياكل أمنية محلية تتولى إدارة الأمن الداخلي، بما يسمح للجيش الإسرائيلي بتخفيف أعبائه العسكرية.
وفي المقابل، تؤكد حركة حماس أن سلاح المقاومة “ليس محل تفاوض”، وأن أي حديث عن تسليم الأسلحة لن يكون مطروحًا إلا بعد إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مستقلة.
كما اتهمت الحركة إسرائيل بعدم الالتزام ببنود اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة في أكتوبر 2025، معتبرة أن تل أبيب تستخدم المبادرات السياسية كغطاء لإعادة ترتيب المشهد الأمني في القطاع.
الإمارات وتعميق التحالف مع إسرائيل
وتشير التقارير إلى أن المساهمة الإماراتية البالغة 100 مليون دولار تُعد أكبر دفعة مالية حصل عليها “مجلس السلام” حتى الآن، في وقت كان ترامب قد طالب قادة دول عدة بتقديم مليار دولار لكل دولة مقابل الحصول على مقعد داخل المجلس.
وتضيف المصادر أن المجلس لم ينجح حتى الآن في جمع التمويلات الضخمة التي وُعد بها من بعض الدول الخليجية، وسط تعقيدات إقليمية متزايدة، خاصة بعد التصعيد العسكري الأخير مع إيران.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير أمريكية عن أن الحرب الأخيرة أثرت بشكل مباشر على ترتيبات المشروع، وأبطأت خطوات تنفيذه، رغم استمرار الاتصالات السياسية والأمنية بشأنه.
كما ربطت تقارير أخرى بين التحركات الإماراتية في غزة وبين تنسيقها المتنامي مع إسرائيل والولايات المتحدة في ملفات إقليمية متعددة، من بينها البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
دور إقليمي يتجاوز غزة
وأشارت تقارير دولية إلى أن أبوظبي عززت تعاونها مع إسرائيل حتى بعد تعرضها لهجمات صاروخية ومسيرات إيرانية خلال التصعيد الإقليمي الأخير، معتبرة أن الإمارات “ضاعفت استثماراتها السياسية والعسكرية” في التحالف مع واشنطن وتل أبيب.
كما تحدثت تقارير عن شراكات إماراتية إسرائيلية في مناطق مثل القرن الإفريقي وأرض الصومال، ضمن ما وُصف بمحاولة بناء “محور استراتيجي” يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
ويرى محللون أن مشروع القوة الأمنية الجديدة في غزة قد يكون جزءًا من تصور أوسع لإعادة رسم التوازنات الأمنية في المنطقة، عبر أدوات محلية مدعومة إقليميًا ودوليًا، بدلًا من الاعتماد الكامل على التدخل العسكري المباشر.
وفي ظل استمرار الحرب والدمار داخل القطاع، يثير هذا المشروع تساؤلات واسعة حول مستقبل غزة، وهوية الجهة التي ستتولى إدارتها أمنيًا وسياسيًا، وما إذا كانت هذه الترتيبات ستقود إلى استقرار فعلي أم إلى مرحلة جديدة من الصراع الداخلي والإقليمي.











