القاهرة – المنشر الاخباري، تشهد الشوارع المصرية ومنصات التواصل الاجتماعي خلال عامي 2025 و2026 تحولا دراماتيكيا في النظرة الشعبية لوجود اللاجئين والمهاجرين، حيث تصاعدت نبرة غضب غير مسبوقة تشبه في حدتها ولغتها خطاب “اليمين المتطرف” في أوروبا.
تحول الشارع المصري ضد اللاجئين في مصر، لم يعد مجرد تمتمات في المجالس الخاصة، بل استحال إلى نشاط رقمي مكثفة تعكس حالة من “الإرهاق القومي” تجاه أعباء استضافة الملايين في ظل أزمة اقتصادية طاحنة.
الواقع الرقمي: وسوم الغضب و”مصر للمصريين”
على فضاء “إكس” (تويتر سابقا) وفيسبوك، لم تعد وسوم مثل #ترحيل_جميعا_للاجئين_مطلب_شعبي و#مصر_للمصريين مجرد ردود فعل عابرة، بل تحولت إلى “مانيفستو” يعبر عن قطاع عريض من المواطنين.
ويتهم القائمون على هذه الحملات اللاجئين، وخاصة السودانيين الذين تضاعفت أعدادهم المسجلة لدى مفوضية الأمم المتحدة لتتجاوز حاجز الـ 850 ألفا، بالإضافة إلى الملايين غير المسجلين، بالتسبب في رفع إيجارات السكن إلى مستويات جنونية، والضغط على منظومة الصحة المتهالكة، ومنافسة الشباب المصري على المهن البسيطة وغير الرسمية.
هذا الخطاب يتجاوز البعد الاقتصادي إلى البعد الثقافي والأمني، حيث تنتشر اتهامات بمحاولات تشويه الهوية المصرية، أو ما يسمى بـ”الأفروسنتريك”، بالإضافة إلى تعميم الحوادث الفردية،من مشاجرات أو جرائم جنائية، على كافة مجتمعات اللاجئين، مما خلق حالة من الاحتقان الاجتماعي في أحياء كانت تعتبر تاريخيا ملاذا آمنا للمغتربين.
الإجراءات الأمنية: من “الضيوف” إلى “المخالفين”
استجابة لهذا الضغط الشعبي، أو ربما تعبيرا عن ضيق الدولة بمواردها المحدودة، شهدت بدايات عام 2026 حملات أمنية مكثفة في الأسواق والمناطق السكنية المكتظة (مثل فيصل، ومدينة نصر، وأكتوبر).
ووثقت منظمات حقوقية مثل “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” (EIPR) حالات احتجاز جماعي وترحيلات طالت حتى بعض حاملي بطاقات اللجوء الرسمية.
ورغم أن الحكومة المصرية تتبنى خطابا رسميا يصف اللاجئين بـ “الضيوف”، إلا أن البدء في تنفيذ قانون لجوء الأجانب (2024) منح السلطات غطاء قانونيا لتنظيم الوجود الأجنبي، وهو ما ترجم عمليا إلى ترحيلات قسرية أو “مقنعة” لأولئك الذين لم يوفقوا أوضاعهم، وسط انتقادات دولية تحذر من إعادة الفارين من ويلات الحرب في السودان إلى مناطق صراع مشتعلة، وهو ما يراه الحقوقيون انتهاكا لمبدأ “عدم الإعادة القسرية”.
لماذا “الأوربة”؟.. تشابه الدوافع بين القاهرة وبروكسل
المحللون يربطون بين الخطاب المصري الحالي وخطاب “كفى يعني كفى” (Enough is Enough) السائد في أوروبا.
فالدوافع تكاد تكون متطابقة الضغط الخدماتي على السكن والتعليم والصحة في مصر تعاني أصلا من فجوات هائلة، واللاجئ ينظر إليه هنا كـ “شريك إجباري” في موارد تتناقص.
الأمن المجتمعي حيث تغير الديموغرافيا السريع في مناطق معينة خلق شعورا بالاغتراب لدى السكان الأصليين، مما يولد نزعات “قومية متطرفة” لحماية ما تبقى من نسيج محلي.
بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية حيث التضخم الذي ضرب الجنيه المصري جعل من “توفير الرغيف” معركة يومية، مما يحول الغضب من السياسات الاقتصادية إلى “الحلقة الأضعف” وهم اللاجئون.
بين الحق المشروع والانتهاك الإنساني
لا ينكر أحد حق الدولة المصرية في حماية حدودها وتنظيم تدفقات الهجرة ووقف العبث بمنظومة الإقامة، فمصر تعاني ضغوطا لا تستطيع دول أوروبية غنية تحمل نصفها.
إلا أن التحدي يكمن في كيفية التنفيذ، فالتعميم الذي يحول كل سوداني أو سوري إلى “عدو” أو “عبء” يتجاهل حقيقة أن قطاعا كبيرا من هؤلاء يساهمون في الاقتصاد عبر استثمارات صغيرة أو عمالة ماهرة، فضلا عن البعد الإنساني لمن هرب من القتل والاغتصاب.
التنفيذ الأمني السريع والعشوائي قد يؤدي إلى كوارث إنسانية، مثل فصل العائلات أو ترحيل أطفال لبيئات غير آمنة، مما يضع مصر في صدام مع التزاماتها الدولية.
وجذر المشكلة لا يكمن في “هوية اللاجئ”، بل في “فشل الاستقرار” في دول الجوار (خاصة السودان) وضعف الهيكل الاقتصادي المصري. الحلول لا يمكن أن تكون أمنية فقط؛ فترحيل الملايين دفعة واحدة أمر مستحيل عمليا وسياسيا.
مصر، التي طالما كانت “أم الدنيا” بقلبها المفتوح، تجد نفسها اليوم في اختبار قسوة تفرضه الظروف؛ والنجاح في هذا الاختبار يتطلب ميزانا دقيقا يجمع بين سيادة القانون وكرامة الإنسان.










