طهران توسّع شبكات النقل البرية مع العراق والصين وروسيا وتركيا لمواجهة الحصار البحري الأمريكي
طهران – المنشر الإخبارى
كشفت تقارير اقتصادية وتحركات إقليمية متسارعة عن تحول الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران إلى عامل دفع عزّز من موقع طهران كمركز عبور استراتيجي يربط بين آسيا وأوروبا، عبر شبكات النقل البرية والسككية الممتدة من الصين وروسيا حتى العراق وتركيا.
وفي خطوة تعكس تنامي التعاون اللوجستي بين بغداد وطهران، أصدرت الحكومة العراقية توجيهات مباشرة إلى السلطات الجمركية تقضي بتفعيل عمليات عبور وإعادة شحن البضائع الإيرانية عبر الأراضي العراقية إلى داخل إيران، بما يشمل المنافذ البرية والجوية ومطار بغداد الدولي.
وبحسب القرار، أصبحت جميع المراكز الجمركية العراقية في الشمال والجنوب والغرب والوسط، إضافة إلى مراكز الشحن الجوي، ملزمة بتسهيل عمليات الترانزيت المتعلقة بالبضائع الإيرانية.
ويأتي هذا التطور بعد أكثر من شهر على بدء الحصار البحري الأمريكي في الخليج، والذي استهدف توجيه ضربة اقتصادية لإيران ضمن التصعيد العسكري والسياسي الذي دعمته إسرائيل وبعض حلفاء واشنطن في المنطقة.
إلا أن النتائج جاءت معاكسة للتوقعات الأمريكية، إذ دفع الحصار إيران إلى تسريع الاعتماد على الممرات البرية والسككية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الرابط بين الشرق والغرب.
وفي هذا السياق، برز العراق كممر غربي جديد ضمن شبكة طرق التجارة الإيرانية البديلة، فيما يشهد الخط الشرقي مع الصين نمواً غير مسبوق في حركة القطارات التجارية.
وذكرت تقارير اقتصادية أن عدد قطارات الشحن المتجهة من مدينة شيآن الصينية إلى طهران ارتفع بشكل كبير منذ بدء الحصار، بعدما كانت الرحلات تتم مرة أسبوعياً قبل الحرب، لتصبح حالياً كل ثلاثة أو أربعة أيام.
ويمر هذا الخط عبر كازاخستان وتركمانستان وصولاً إلى إيران، بعيداً عن النفوذ البحري الأمريكي، ما جعله أحد أهم البدائل الآمنة لنقل البضائع.
كما أظهرت بيانات السكك الحديدية الإيرانية دخول أكثر من 40 قطار شحن صيني إلى إيران منذ بداية العام الجاري، مقارنة بسبعة قطارات فقط خلال السنوات السبع السابقة مجتمعة.
ولا يقتصر التحرك الإيراني على الخط الصيني فقط، إذ تعمل طهران منذ سنوات على تطوير ممرات لوجستية مع روسيا وآسيا الوسطى وأفغانستان، ضمن استراتيجية تهدف إلى تقليل الاعتماد على النقل البحري والممرات الخاضعة للرقابة الغربية.
وفي أكتوبر الماضي، بدأت إيران تصدير الديزل إلى أفغانستان عبر خط سكة حديد “خواف – هرات”، فيما دشنت الصين أيضاً خط قطارات مباشر إلى مدينة حيراتان شمال أفغانستان، مع خطط لتمديده نحو الحدود الإيرانية.
وفي الاتجاه الشمالي، تواصل إيران استثمارات ضخمة في مشروع الممر الدولي “شمال – جنوب” الذي يربطها بروسيا، بهدف نقل البضائع بين آسيا وأوروبا عبر الأراضي الإيرانية.
ويؤكد خبراء اقتصاديون إيرانيون أن البلاد قادرة على تحويل ما يصل إلى 40 بالمئة من تجارتها البحرية التقليدية إلى ممرات برية وسككية، الأمر الذي يحد من تأثير الحصار الأمريكي.
وفي خطوة تعكس هذا التوجه، دشنت إيران الجمعة المرحلة التشغيلية لمنطقة “سرخس” الاقتصادية الحرة في محافظة خراسان رضوي على الحدود مع تركمانستان، بهدف تعزيز التجارة مع الصين ودول آسيا الوسطى.
وتتمتع المنطقة بطاقة استيعابية تصل إلى 10 ملايين طن من البضائع سنوياً، لكنها تعمل حالياً بأقل من ثلث قدرتها، وسط خطط لزيادة حجم الشحنات مستقبلاً.
وأكد مسؤولون إيرانيون أن المنطقة ستكون جزءاً أساسياً من مشروع التعاون الاقتصادي طويل الأمد بين طهران وبكين، ضمن الاتفاقية الاستراتيجية الممتدة لـ25 عاماً بين البلدين.
كما تسعى إيران إلى الاستفادة من موقع تركيا كمركز لوجستي إقليمي، عبر إعادة توجيه جزء من التجارة التي كانت تمر عبر الإمارات إلى الأراضي التركية، سواء للتصنيع أو العبور التجاري.
وفي الوقت نفسه، تراهن طهران على اتفاقية التجارة التفضيلية مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، والتي ألغت الرسوم الجمركية على 88 بالمئة من السلع الإيرانية، ما يمنحها وصولاً واسعاً إلى سوق ضخم تتجاوز تعاملاته تريليون دولار.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن إيران قادرة خلال عامين أو ثلاثة أعوام على رفع حجم تجارتها مع الاتحاد الأوراسي من خمسة مليارات دولار حالياً إلى 15 مليار دولار.
ويرى محللون أن الحصار البحري، بدلاً من عزل إيران، ساهم في تسريع تحولها إلى “جسر بري” يربط بين الشرق والغرب، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدرتها على بناء شبكات نقل بديلة.
ويؤكد مراقبون أن التجربة الحالية أظهرت صعوبة فرض عزلة كاملة على إيران، في ظل توسع علاقاتها التجارية مع دول الجوار والقوى الآسيوية الكبرى، إلى جانب تنامي دور الممرات البرية والسككية في التجارة الدولية.










