في خطوة تمثل تحولاً جذريًا في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة القرن الأفريقي، رفعت الولايات المتحدة رسمياً الحظر المفروض على تجارة الأسلحة مع إثيوبيا، وهو القيود التي تم فرضها إبان حرب تيغراي المدمرة.
يأتي القرار الأمريكي في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تشكيل متسارعة للتحالفات الإقليمية، مدفوعة بالاضطرابات المتزايدة في ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وأعلنت مديرية ضوابط التجارة الدفاعية (DDTC) التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية عن إنهاء الحظر، وإزالة إثيوبيا من قائمة الدول الخاضعة لـ “سياسة الرفض التلقائي” بموجب لوائح الاتجار الدولي بالأسلحة (ITAR §126.1).
ويعني هذا الإجراء القانوني أن طلبات تراخيص تصدير الدفاع الأمريكية إلى أديس أبابا لن تُجابه بالرفض التلقائي بعد الآن، بل ستخضع للمراجعة والتقييم على أساس كل حالة على حدة، مع استعادة إثيوبيا أهليتها للاستفادة من بعض الإعفاءات الخاصة بالتراخيص الدفاعية.
خلفية العقوبات: من ضغوط “تيغراي” إلى واقع الجغرافيا السياسية
تعد هذه الخطوة إنهاءً لسياسة العقوبات الصارمة التي فرضتها إدارة الرئيس جو بايدن في أواخر عام 2021،فخلال الحرب التي اندلعت بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي (نوفمبر 2020 – نوفمبر 2022)، اتخذت واشنطن إجراءات عقابية صارمة ضد إثيوبيا.
وشملت قرارات الإدارة الأمريكية تعليق المساعدات الأمنية وفرض قيود على الصادرات العسكرية، وذلك للضغط على أديس أبابا لوقف الانتهاكات الحقوقية الموثقة التي تورطت فيها القوات الفيدرالية والجيش الإريتري والمقاتلون التيغرانيون.
ومع توقيع اتفاق “بريتوريا” للسلام وتوقف القتال، بدأت العلاقات بالتحسن تدريجيًا، إلا أن التوقيت الحالي لرفع الحظر يرتبط بشكل مباشر بملفات جيوسياسية أوسع تتجاوز الشأن الداخلي الإثيوبي، وتتعلق بأمن الطاقة والملاحة العالمية.
دوافع القرار الأمريكي: أمن البحر الأحمر والتوترات الإريترية
يقف وراء هذا التغير المفاجئ في الموقف الأمريكي ثلاثة دوافع استراتيجية رئيسية:
تأمين ممرات الملاحة الدولية
مع استمرار التهديدات التي تواجهها السفن التجارية في البحر الأحمر من قبل جماعة الحوثي، والتعقيدات الأمنية المتزايدة حول مضيق هرمز وباب المندب، باتت واشنطن تنظر إلى الاستقرار الأمني في دول القرن الأفريقي كأولوية قصوى للأمن القومي الأمريكي.
وتجد واشنطن نفسها بحاجة إلى شركاء إقليميين أقوياء لضمان عدم انهيار المنظومة الأمنية المحيطة بهذه الممرات الحيوية.
معادلة “الوصول إلى البحر” والصراع الإثيوبي الإريتري
منذ استقلال إريتريا عام 1993، تحولت إثيوبيا إلى دولة حبيسة (بلا سواحل).
و في الأشهر الأخيرة، صعد المسؤولون الإثيوبيون، وعلى رأسهم رئيس الوزراء آبي أحمد، من تصريحاتهم بشأن ضرورة تأمين منفذ بحري سيادي للدولة، ملمحين إلى إمكانية استخدام القوة إذا فشلت الدبلوماسية.
هذا الأمر أدى إلى تصاعد التوترات مع إريتريا ومخاوف من اندلاع حرب جديدة.
واشنطن تسعى من خلال خطوتها الأخيرة إلى امتلاك أوراق ضغط وتأثير أكبر على أديس أبابا لثنيها عن أي عمل عسكري متهور، وفي ذات الوقت تعزيز قدراتها الدفاعية كقوة موازنة.
- دبلوماسية “الجزرة والعصا” الأمريكية
يأتي رفع الحظر كترجمة عملية للاجتماعات الدبلوماسية رفيعة المستوى التي جمعت مسؤولين أمريكيين بوزير الخارجية الإثيوبي غيديون تيموثيوس.
وتتزامن هذه الخطوة مع تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة تدرس أيضًا تخفيف بعض العقوبات عن إريتريا.
الهدف الأمريكي واضح تبني سياسة واقعية وعملية توازن بين الخصمين (إثيوبيا وإريتريا) للحفاظ على استقرار المنطقة ومنع القوى المنافسة مثل الصين وروسيا من ملء الفراغ الأمني.
ماذا يتغير على أرض الواقع؟
لا يعني رفع الحظر تدفقًا غير مشروط للسلاح الأمريكي؛ حيث ستظل المبيعات العسكرية خاضعة لرقابة صارمة لضمان توافقها مع معايير حقوق الإنسان والأمن القومي الأمريكي. ومع ذلك، فإن هذا القرار يحمل دلالات عملية وسياسية هامة:
تحديث العتاد العسكري: بات بإمكان القوات الأمنية والدفاعية الإثيوبية الآن التقدم بطلبات للحصول على قطع غيار للمعدات أمريكية الصنع، وأنظمة دفاعية متطورة، والاستفادة من برامج التدريب العسكري الأمريكية.
كما يبعث القرار برسالة دعم سياسي واضحة لحكومة آبي أحمد، ويعيد تمضيع الولايات المتحدة كوسيط وشريك استراتيجي في المنطقة عوضاً عن دور “المعاقِب”، مما يمنح واشنطن نفوذاً أكبر في توجيه دفة الأحداث في القرن الأفريقي خلال المرحلة الحرجة المقبلة.










