“فايننشال تايمز” تفضح فجوة ضخمة بين تعهدات بـ17 مليار دولار وغياب التمويل الفعلي وسط جدل حول الشفافية ومسارات التحويل المالي
واشنطن- المنشر الإخبارى
أزمة التمويل: تعهدات بالمليارات دون تنفيذ فعلي
كشف تقرير استقصائي نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية عن أزمة تمويلية حادة تضرب مشروع إعادة إعمار قطاع غزة المرتبط بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمعروف باسم “مجلس السلام”، حيث أظهرت البيانات أن الصندوق الائتماني الذي أنشأه البنك الدولي لم يشهد حتى الآن أي تدفقات مالية فعلية، رغم تعهدات دولية تجاوزت قيمتها 17 مليار دولار.
وتشير هذه الفجوة الكبيرة بين التعهدات المعلنة والواقع المالي الفعلي إلى أزمة ثقة متصاعدة في آليات تنفيذ الخطة، خاصة مع استمرار غياب أي تحويلات حقيقية إلى الصندوق الرسمي، ما جعل المشروع في حالة تجميد شبه كامل على مستوى التمويل.
“صفر دولار” داخل البنك الدولي يثير تساؤلات واسعة
وبحسب مصادر مالية مطلعة نقلت عنها الصحيفة، فإن الرصيد الفعلي للصندوق الائتماني المخصص لمشاريع غزة لا يزال “صفر دولار”، وهو ما أثار صدمة داخل الأوساط الاقتصادية والدبلوماسية المعنية بملف إعادة الإعمار.
هذا الوضع غير المسبوق يعكس، بحسب التقرير، فجوة خطيرة بين الخطاب السياسي الذي رافق الإعلان عن الخطة وبين الواقع التنفيذي على الأرض، حيث لم تتحول الوعود إلى التزامات مالية فعلية قابلة للتنفيذ حتى الآن.
تحويلات خارج القنوات الرسمية ومخاوف من غياب الشفافية
أحد أبرز ما كشفه التقرير يتمثل في لجوء بعض الأطراف المانحة إلى تحويل الأموال عبر قنوات مالية خاصة خارج النظام المعتمد لدى البنك الدولي، إذ تم توجيه جزء من التعهدات إلى حسابات مصرفية تجارية في بنوك كبرى مثل “جي بي مورغان تشيس”.
ويثير هذا المسار البديل تساؤلات جدية حول مستويات الشفافية والرقابة المالية، خصوصًا أن هذه القنوات لا تخضع لنفس المعايير الدولية الصارمة الخاصة بالإفصاح والمحاسبة، وهو ما يفتح الباب أمام جدل واسع حول إدارة الأموال ومصيرها النهائي.
خلافات سياسية داخل واشنطن تعرقل التمويل الأمريكي
في السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن جزءًا من التمويل الأمريكي الموعود لا يزال مجمدًا داخل مؤسسات الحكومة والكونغرس، وسط خلافات سياسية حول آليات الصرف والرقابة، وصلاحيات الجهة المسؤولة عن إدارة الأموال.
وبحسب مصادر في واشنطن، فإن هناك تحفظات متزايدة داخل الكونغرس بشأن منح “تفويض مالي واسع” دون ضمانات صارمة للشفافية، ما أدى إلى تعطيل تحويل مخصصات مالية ضخمة كانت موجهة لدعم الخطة.
غزة بين تعهدات دولية وأرض بلا تمويل
ورغم إعلان التزامات من عدة أطراف دولية وإقليمية، إلا أن معظم هذه التعهدات لم يتحول إلى تمويل فعلي حتى الآن، بما في ذلك برامج مرتبطة بالبنية التحتية، وتدريب قوات محلية، ودعم إداري للقطاع.
وتؤكد مصادر مطلعة أن هذه البرامج لا تزال مجمدة بالكامل بسبب غياب التمويل التشغيلي، إضافة إلى استمرار التعقيدات الأمنية والسياسية داخل القطاع، ما يجعل تنفيذ أي خطة إعادة إعمار على الأرض أمرًا بالغ الصعوبة في المرحلة الحالية.
تعثر سياسي أوسع يعمّق أزمة إعادة الإعمار
ويرى مراقبون أن أزمة التمويل الحالية لا يمكن فصلها عن التعقيدات السياسية المحيطة بملف غزة، حيث لا يزال هناك غياب لتوافق دولي واضح حول شكل إدارة القطاع بعد الحرب، وشروط الأمن ونزع السلاح، وآليات إعادة بناء المؤسسات المحلية.
كما يشير محللون إلى أن تداخل الاعتبارات الإنسانية مع الحسابات السياسية والإقليمية جعل من مشروع إعادة الإعمار ساحة صراع أكثر من كونه خطة تنموية، وهو ما ساهم في تعطيل تدفق الأموال على نطاق واسع.
مستقبل غامض لمشروع إعادة الإعمار
وفي ظل استمرار غياب التمويل الفعلي، يحذر خبراء من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى انهيار تدريجي للمبادرة، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى إطار مالي وسياسي موحد يضمن تنفيذ المشاريع على الأرض.
كما يؤكدون أن نجاح أي خطة لإعادة إعمار غزة لا يرتبط فقط بحجم الأموال المعلنة، بل بقدرة المجتمع الدولي على بناء نظام إدارة شفاف وفعال يضمن تحويل التعهدات إلى مشاريع حقيقية قابلة للتنفيذ.










