إعادة افتتاح مطار تبريز بعد تدمير برجه ومدرجه الرئيسي تكشف قدرة طهران على ترميم قطاع الطيران محلياً رغم العقوبات.. و21 مطاراً عادوا للخدمة خلال أقل من شهرين
طهران – المنشر الإخبارى
في واحدة من أسرع عمليات التعافي الجوي بعد الحروب الحديثة، بدأت إيران استعادة شبكة مطاراتها المدنية بوتيرة فاجأت المراقبين الدوليين، بعدما أعادت تشغيل 21 مطاراً خلال أقل من شهرين فقط من انتهاء الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية التي استهدفت البنية التحتية الإيرانية بشكل مباشر.
وشكلت إعادة افتتاح مطار تبريز الدولي، الأربعاء، محطة رمزية في هذا المسار، بعدما كان من أكثر المطارات الإيرانية تضرراً خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً، نتيجة استهداف برج المراقبة وأجزاء واسعة من المدرج الرئيسي ومرافق الملاحة الجوية.
ويمثل مطار تبريز ثالث أكثر المطارات الإيرانية ازدحاماً على مستوى الرحلات الدولية، كما يعد بوابة رئيسية للحركة التجارية والجوية بين إيران وتركيا وأوروبا، ما جعل عودته للعمل تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية تتجاوز مجرد استئناف الرحلات المدنية.
حرب استهدفت البنية المدنية مباشرة
الهجمات الأمريكية والإسرائيلية لم تقتصر على المواقع العسكرية أو النووية، بل طالت بشكل واسع منشآت مدنية مرتبطة مباشرة بالحياة اليومية والبنية الاقتصادية الإيرانية، وعلى رأسها المطارات وشبكات النقل الجوي.
ووفق تقارير إيرانية، تعرضت مطارات في طهران وتبريز وأصفهان وشيراز والأهواز وكرمنشاه وأرومية وعبادان ورشت وإيلام لضربات مباشرة أصابت أبراج المراقبة ومدارج الإقلاع وأنظمة الملاحة والاتصالات الأرضية والجوية.
وترى طهران أن استهداف المطارات المدنية يمثل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يمنع مهاجمة المنشآت المدنية والبنى المستخدمة لخدمة السكان المدنيين.
ورغم حجم الأضرار، بدأت السلطات الإيرانية فور تثبيت وقف إطلاق النار تنفيذ خطة إعادة تشغيل تدريجية اعتمدت على أولويات اقتصادية وملاحية دقيقة، مع التركيز أولاً على المطارات الواقعة شرق البلاد الأقل تضرراً والأكثر أهمية لمسارات العبور الجوي الإقليمية.
الشرق أولاً.. استعادة الممرات الجوية الحيوية
خلال أقل من أسبوعين بعد وقف إطلاق النار، عادت مطارات مشهد وزاهدان وكرمان ويزد وبيرجند إلى الخدمة الكاملة، في خطوة وصفتها دوائر الطيران الإيرانية بأنها “استعادة سريعة للشريان الشرقي”.
وكان لهذا القرار بعد اقتصادي مباشر، إذ تمثل الممرات الشرقية لإيران أحد أهم خطوط العبور الجوية بين آسيا الوسطى والخليج وشبه القارة الهندية، كما توفر لطهران عائدات كبيرة من رسوم التحليق فوق الأجواء الإيرانية.
وقبل الحرب، كانت الأجواء الإيرانية تستقبل آلاف الرحلات العابرة سنوياً، وهو ما وفر تدفقات نقدية بالعملة الأجنبية في ظل العقوبات الغربية الممتدة منذ سنوات.
وبمجرد إعادة تشغيل هذه الممرات، بدأت طهران استعادة جزء من عائدات الطيران والعبور، في وقت كانت المطارات الغربية والشمالية الغربية لا تزال تخضع لأعمال إصلاح مكثفة.
تبريز.. أصعب اختبار لقطاع الطيران الإيراني
ظل مطار تبريز الحالة الأكثر تعقيداً في خطة التعافي الإيرانية، بعدما أصابت الغارات برج المراقبة الرئيسي وأنظمة الملاحة الجوية وأجزاء من المدرج، ما أدى إلى خروجه الكامل من الخدمة.
لكن السلطات الإيرانية تمكنت خلال أسابيع قليلة من إعادة بناء برج المراقبة وتركيب أنظمة اتصال وملاحة جديدة وتشغيل المرافق الأساسية، دون الاعتماد على خبراء أو شركات أجنبية.
وترى دوائر الطيران الإيرانية أن إعادة تشغيل تبريز خلال أقل من شهرين “إنجاز غير مسبوق”، خاصة في ظل استمرار العقوبات الغربية التي تعرقل وصول إيران إلى كثير من معدات الطيران الحديثة وقطع الغيار الحساسة.
العقوبات تحولت إلى “ميزة اضطرارية”
الحرب الأخيرة كشفت، وفق مراقبين، أن سنوات العقوبات الطويلة دفعت إيران إلى تطوير قدرات محلية واسعة في قطاع الطيران والصيانة والهندسة التقنية.
فمعظم أنظمة الملاحة والرادارات ووسائل الاتصال التي دمرت خلال الحرب جرى استبدالها أو إعادة تصنيعها محلياً، مستفيدين من خبرة تراكمت عبر عقود من القيود الأمريكية والأوروبية على قطاع الطيران الإيراني.
ويقول خبراء إيرانيون إن البلاد اضطرت خلال السنوات الماضية إلى تطوير بدائل محلية وعمليات “هندسة عكسية” لمعدات وأنظمة كان من المفترض استيرادها من الخارج، وهو ما سمح اليوم بإعادة تشغيل المطارات بوتيرة أسرع من المتوقع.
وبحسب تقديرات متخصصة، فإن عمليات إعادة بناء مطارات متضررة في مناطق نزاع عادة ما تستغرق بين ستة أشهر وعامين، بينما تمكنت إيران من إعادة تشغيل نحو 40 بالمئة من شبكتها الجوية خلال أقل من شهرين.
عودة تدريجية للحركة الدولية
مع استئناف مطار تبريز نشاطه، بدأت الرحلات الداخلية إلى طهران ومشهد وكيش وشيراز وأصفهان وكرمان تعود تدريجياً، فيما يجري العمل على إعادة تشغيل الخطوط الدولية نحو إسطنبول وبغداد ودبي وباكو وهامبورغ.
وتشير بيانات الطيران الحالية إلى أن حركة التبادل الجوي مع تركيا وأرمينيا وأذربيجان تعمل حالياً على مدار الساعة، بينما تستعد الخطوط المتجهة إلى العراق للعودة الكاملة خلال الأسابيع المقبلة.
كما بدأت السلطات الإيرانية اتصالات مع شركات طيران أجنبية لإعادة مسارات التحليق فوق الأجواء الإيرانية، في محاولة لاستعادة مكانة إيران كممر جوي رئيسي يربط آسيا بأوروبا والخليج.
ما وراء المطارات.. الاقتصاد يتحرك من جديد
إعادة تشغيل المطارات الإيرانية لا تتعلق فقط بعودة الرحلات المدنية، بل ترتبط أيضاً بإحياء قطاعات اقتصادية كاملة تعتمد على النقل الجوي والسياحة والشحن والخدمات اللوجستية.
ففي مدن مثل تبريز وشيراز والأهواز، تشكل المطارات مراكز اقتصادية حيوية توفر فرص عمل وتدعم الفنادق وشركات النقل والتجارة والشحن الجوي.
وكان توقف هذه المطارات خلال الحرب قد ألحق خسائر واسعة بالاقتصاد المحلي، خصوصاً في قطاع الشحن المرتبط بالممرات التجارية بين إيران وتركيا وأوروبا وآسيا الوسطى.
ويؤكد خبراء أن استعادة هذه الشبكة بسرعة يمنح الاقتصاد الإيراني دفعة معنوية ومادية في لحظة تواجه فيها البلاد ضغوطاً مالية وعقوبات قاسية وتحديات أمنية متواصلة.
رسائل سياسية خلف إعادة الإعمار
إلى جانب البعد الاقتصادي، تحمل عملية إعادة تشغيل المطارات رسالة سياسية واضحة من طهران بأنها قادرة على تجاوز آثار الحرب بسرعة، وأن استهداف البنية المدنية لم ينجح في شل الدولة أو تعطيل حركة الحياة.
وتسعى إيران عبر هذا التعافي السريع إلى إظهار قدرتها على الصمود الذاتي رغم العقوبات والحرب، في وقت تحاول فيه أيضاً استعادة ثقة شركات الطيران الأجنبية وحركة العبور الدولية.
ومع استمرار أعمال الإصلاح في مطارات أرومية وإيلام وعبادان ورشت، تتوقع السلطات الإيرانية اكتمال عودة معظم المطارات المتضررة إلى الخدمة قبل نهاية الصيف، ما يعني عملياً استعادة شبه كاملة لشبكة الطيران المدني الإيرانية بعد واحدة من أعنف الحروب التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة.










