بيروت – أظهرت استطلاعات الرأي الحديثة في لبنان تبدلاً جذرياً في المزاج العام تجاه القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها ملف العلاقة مع إسرائيل.
هذه التحولات، التي توثقها شركات استطلاع محايدة، تشير إلى أن “الواقع المرير” للحرب والتهجير والانهيار الاقتصادي قد فرض منطقاً جديداً يتجاوز الشعارات التقليدية التي سادت لعقود.
تحولات في البيئة الشيعية: كسر حاجز الصمت
على عكس الأرقام التي تروج لها المؤسسات الإعلامية المرتبطة بـ “حزب الله”، والتي تدعي رفضاً قاطعاً للتفاوض، تكشف المعطيات الصادرة عن شركات استطلاع مستقلة عن واقع مختلف تماماً.
فبعيداً عن ضغوط الرقابة الأمنية، بات المواطنون الشيعة يعبرون بوضوح عن تحميل الحزب مسؤولية المآسي التي تعيشها بيئتهم.
وفقاً لاستطلاع أجرته شركة “ستاتيستيكس ليبانون” في أبريل 2026، فإن 34% من المستطلعين الشيعة يؤيدون صراحةً اتفاقاً لبنانياً-إسرائيلياً، بينما تصل نسبة التأييد للتسوية السياسية الشاملة إلى 38% داخل هذه البيئة.
هذه الأرقام، التي تظهر لأول مرة بهذا الوضوح، تعكس حالة من الإنهاك الشعبي ورغبة عارمة في الخروج من دائرة الحروب المتواصلة التي لم تجلب سوى الدمار.
الطفرة الوطنية: قفزة تاريخية نحو السلام
التحول لم يقتصر على بيئة واحدة، بل سجل الاستطلاع الأخير لشركة “الدولية للمعلومات” قفزة نوعية على المستوى الوطني. ففي غضون أقل من عام واحد (بالمقارنة مع أغسطس 2025)، ارتفعت نسبة اللبنانيين المؤيدين لاتفاق سلام مع إسرائيل من 25% لتصل إلى نحو 49%.
ولم تتوقف القفزة عند حدود الاتفاق، بل امتدت لتشمل التطبيع الكامل الذي ارتفعت نسبة مؤيديه من 13.2% إلى أكثر من 30%.
ويطرح جواد عدره، رئيس “الدولية للمعلومات”، تساؤلاً جوهرياً حول أسباب هذا التحول: هل هي نتيجة تغير في القناعات الفكرية والسياسية، أم أنها “غريزة البقاء” لدى مجتمع منهك ومستنزف؟
ويشير عدره إلى أن المجتمعات حين تصل إلى حالة من الإفلاس الاقتصادي والدمار البنيوي، تصبح أكثر استعداداً لتبني خيارات كانت تعدّ “من المحرمات” في السابق، فقط من أجل استعادة الحد الأدنى من الاستقرار.
خريطة الدعم الطائفي: الموارنة والدروز والأرثوذكس في المقدمة
أظهر الاستطلاع انقساماً حاداً، حيث يؤيد قرابة 49% من اللبنانيين مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل (بين تأييد شديد وجزئي). وتوزعت نسب التأييد طائفياً على النحو التالي:
الموارنة: تصدروا المشهد بنسبة تأييد إجمالية بلغت 78%.
الروم الأرثوذكس: سجلوا نسبة تأييد بلغت 73.6%، وهو مؤشر أثار اهتمام المراقبين نظراً لتاريخ هذه البيئة وارتباطها الفكري والقومي بالقضية الفلسطينية سابقاً.
الدروز: بلغ التأييد في صفوفهم 72%.
السنة: بلغت نسبة المؤيدين للاتفاق حوالي 67%.
الأولويات: الخبز قبل السلاح
بالرغم من كل الصخب السياسي والحروب المشتعلة، كشف الاستطلاع أن “بيولوجيا المجتمعات” تفرض أولوياتها الخاصة، فعند سؤال اللبنانيين عن القضيتين الأكثر أهمية، تصدر الاقتصاد المشهد بنسبة 72%، بينما جاء الأمن في المرتبة الثانية بنسبة 58%.
وهذا يعني أن غالبية اللبنانيين لم يعودوا ينظرون إلى الحرب كطريق لتحقيق الأهداف السياسية، بل كعائق رئيسي أمام لقمة العيش والاستقرار الاقتصادي.
إن هذا التحول العاصف يعكس صدمة عميقة أصابت المجتمع اللبناني بمختلف أطيافه. وما كانت توصف “بالمواضيع الإشكالية” قبل سنوات، تحولت اليوم إلى مادة للنقاش العام الصريح.
إن النتائج تشير بوضوح إلى أن المواطن اللبناني، أياً كانت طائفته، بدأ يربط بين خياراته السياسية وبين قدرته على العيش في دولة طبيعية، بعيداً عن أيديولوجيات الحروب التي استنزفت موارد البلاد ومستقبل أجيالها.
ومع استمرار الأزمات الاقتصادية، يبدو أن المزاج اللبناني يتجه بشكل متسارع نحو واقعية سياسية جديدة، قد تفرض شروطها على أي تسوية قادمة في البلاد.










