بينما تستعد إثيوبيا لانتخابات غدا 1 يونيو 2026، يواجه رئيس الوزراء آبي أحمد انتقادات حادة واتهامات بتأجيج الانقسامات العرقية. تعرف على تفاصيل أزمة السلطة والحروب الأهلية التي تعصف بثاني أكبر دولة في أفريقيا.
أديس أبابا – بين بريق ناطحات السحاب في أديس أبابا ودمار النزاعات العرقية في الأقاليم، تقف إثيوبيا اليوم عند منعطف تاريخي حرج. وبينما تستعد البلاد للتوجه إلى صناديق الاقتراع في الأول من يونيو 2026، يطرح المشهد السياسي سؤالاً يتردد صداه في أروقة السياسة الدولية: كيف تحول آبي أحمد، الزعيم الذي نال جائزة نوبل للسلام كرمز للتغيير، إلى شخصية مثيرة للجدل، يتهمه معارضوه بأنه المهندس الرئيسي لانقسامات البلاد العميقة؟
من “مُعالج” إلى مصدر للانقسام
عندما تسلم آبي أحمد السلطة في 2018، استبشر الإثيوبيون خيراً بإنهاء عقود من السيطرة الصارمة، فبعد استقالة سلفه، هايلي ماريام ديسالين، تحت وطأة احتجاجات شعبية عارمة ضد القمع، قدم آبي نموذجاً مختلفاً.
وفي غضون 90 يوماً فقط، أذهل العالم بإنهاء حرب الـ 20 عاماً مع إريتريا، وأطلق سراح السجناء السياسيين، وفتح المجال للصحافة، مما توّج بفوزه بنوبل للسلام.
ولكن، مع مرور الوقت، تلاشت هذه النشوة، اليوم، وبأكثر من 135 مليون نسمة، تواجه إثيوبيا صراعات عرقية عنيفة وقيوداً متزايدة على حرية التعبير، ويشير النقاد إلى أن المركزية المفرطة التي انتهجها آبي كانت هي “الفيروس” الذي ضرب الاستقرار.
إعادة هندسة السلطة: “حزب الازدهار”
يكمن جوهر التحول في توجه آبي نحو التخلي عن “الفيدرالية العرقية” التي حكمت البلاد لثلاثة عقود عبر “الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي”.
وأسس آبي “حزب الازدهار” ككيان وطني موحد، وأمر بحل الجيوش الإقليمية ودمجها في الجيش الوطني، وهو قرار رأت فيه الأقاليم – خاصة تيغراي وأمهرة وأوروميا – محاولة لإلغاء خصوصيتها وحكمها الذاتي، بحسب “cnn”
هذا التوجه أدى إلى تصادم حتمي، خاصة مع “جبهة تحرير شعب تيغراي” التي فقدت سيطرتها التاريخية، مما فجر حرباً أهلية طاحنة في نوفمبر 2020، وُصفت بأنها واحدة من أكثر الصراعات دموية في التاريخ الحديث، مخلفةً ما يقدر بـ 600 ألف ضحية. ورغم اتفاق السلام في 2022، إلا أن استمرار التمرد في مناطق أمهرة وأوروميا يشي بأن جذور الأزمة لا تزال تتغذى على نزاعات الحدود والتهميش العرقي.
أمة ممزقة خلف واجهة “التقدم”
في حين تبرز أديس أبابا للعالم من خلال ناطحات السحاب والأسواق المالية الجديدة كنموذج للحداثة، يختفي هذا البريق تماماً بمجرد تجاوز حدود العاصمة. يقول سورافيل جيتيهون، الباحث في الجغرافيا السياسية المقيم في المنفى: “الإثيوبيون اليوم أكثر انقساماً من أي وقت مضى. العداوة العرقية مزقت النسيج الاجتماعي”.
ويتهم معارضون مثل الدبلوماسي السابق برهاني كيدانيماريام، رئيس الوزراء بأنه يتخلى عن وعوده بالمصالحة ويقود البلاد نحو “طريق مظلم”. وفي المقابل، يلتزم مكتب آبي الصمت تجاه هذه الاتهامات، واصفاً إياها بـ “الادعاءات التي لا أساس لها”.
انتخابات 1 يونيو: مصداقية تحت الاختبار
بينما يصف آبي أحمد الانتخابات المقبلة بأنها “الأكثر تنظيماً في التاريخ”، يشكك المراقبون في نزاهتها. فالانتخابات ستجرى وسط استبعاد لمناطق واسعة كتيغراي وأجزاء من أمهرة، مع تقارير عن قمع سياسي.
وفي محاولة استراتيجية لتعزيز شرعية العملية الانتخابية، امتنع الحزب الحاكم عن ترشيح منافسين في أكثر من عشرين دائرة، في خطوة يراها المحللون “دعوة للمعارضة” لضمان وجودها في البرلمان. ومع ذلك، يظل التساؤل: هل سيكون البرلمان المقبل مؤسسة تمثيلية حقيقية أم مجرد واجهة لتعزيز هيمنة الحزب الحاكم؟
بالنسبة للعديد من المراقبين والباحثين مثل غيتاهون، فإن نتيجة الانتخابات تبدو محسومة مسبقاً، معتبرين أنها “تتويج” لمسار سياسي يميل نحو المركزية القوية.
ومع استمرار التوترات الأمنية وتصاعد خطاب الاستقطاب، يظل مستقبل إثيوبيا رهيناً بقدرة قيادتها على العودة إلى روح المصالحة التي ميزت بدايات عهد آبي، أو الاستمرار في نهج المركزية الذي جعل من “المصلح” شخصية مثيرة للجدل في أمة تبحث عن استقرارها الضائع.









