تناقش الحرب في السودان بشكل متزايد في إطار “سيناريو ليبيا”، لكن الصلة بين الأزمتين تتجاوز مجرد مقارنة بين دولتين ممزقتين. فالسودان لا يشبه ليبيا ما بعد عام 2011 فحسب، بل إن انهيار ليبيا أعاد تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية بشكل جذري، مما أدى لاحقا إلى تسريع تفكك السودان نفسه.
وقد حول انهيار السلطة المركزية في ليبيا بعد عام 2011 أجزاء كبيرة من شمال أفريقيا، ومنطقة الساحل، ووسط أفريقيا، والقرن الأفريقي إلى فضاء جيوسياسي متزايد العسكرة، يتسم بانتشار الأسلحة غير المنضبط، والشبكات المسلحة العابرة للحدود، والتنافس بالوكالة، واقتصادات التهريب، وضعف هياكل الدولة.
ولذلك، لم يبق تفكك ليبيا أزمة وطنية معزولة، بل أدى إلى فراغ إقليمي أوسع نطاقا أضعف البنى الأمنية المحيطة وزاد من حدة عدم الاستقرار في مناطق مترابطة، بما في ذلك السودان.
إرث ليبيا: تصدير الفوضى
قبل انهيار ليبيا، كان السودان يواجه بالفعل أزمات هيكلية عميقة متجذرة في عدم المساواة بين المركز والأطراف، والعسكرة، والإقصاء، والنزاعات العالقة في دارفور ومناطق أخرى مهمشة. إلا أن انهيار السلطة المركزية في ليبيا فاقم هذه الهشاشة بشكل كبير.
فقد أدى انهيار الجيش الليبي، وتأسيس الميليشيات المسلحة، وظهور مراكز قوة متنافسة، إلى تحويل ليبيا إلى واحدة من أكبر مصادر انتشار الأسلحة والعسكرة العابرة للحدود في المنطقة.
وتدفقت كميات هائلة من الأسلحة عبر الحدود الرخوة إلى منطقة الساحل وتشاد ووسط أفريقيا والسودان، مما عزز شبكات التمرد والجماعات المسلحة واقتصادات التهريب وهياكل الميليشيات في جميع أنحاء المنطقة.
كان لهذا التحول أهمية بالغة، إذ كان السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يربط شمال أفريقيا، ومنطقة الساحل، ووسط أفريقيا، والقرن الأفريقي، وممر البحر الأحمر.
ومع ضعف ليبيا، ازداد تعرض السودان لتبعات العسكرة الإقليمية؛ فقد توسعت الشبكات المسلحة، وحركات المرتزقة، ومسارات التهريب لتشمل مناطق كانت خاضعة لسيطرته سابقا.
وأدى تآكل سلطة الدولة الليبية إلى خلق بيئة مواتية لانتشار الأسلحة والمقاتلين وآليات التمويل المسلح بحرية أكبر عبر الصراعات الإقليمية المترابطة.
السودان كنموذج أكثر تعقيدا
تظهر الحرب الدائرة حاليا بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أنماطا مشابهة لما ظهر في ليبيا ما بعد 2011، من مراكز عسكرية متنافسة تدعي الشرعية الوطنية، وهياكل حكم متنافسة، وتدخل وكلاء خارجيين.
ومثلما انقسمت ليبيا بين هياكل الشرق (بنغازي) والغرب (طرابس)، يتطور السودان تدريجيا إلى مناطق منفصلة من السيطرة العسكرية والسياسية، حيث تتمسك القوات المسلحة ببورتسودان، بينما تعزز قوات الدعم السريع نفوذها في دارفور وأجزاء من كردفان.
لكن الخطر يكمن في أن التشرذم في السودان قد يتفاقم ليصبح أشد وطأة من نظيره في ليبيا نظرا لتعقيد بنيته؛ فالسودان يتمتع بعدد سكان أكبر، وتنوع عرقي وإقليمي أوسع، وتوترات أعمق بين المركز والأطراف، وموقع جغرافي أكثر اتساعا.
ويحد السودان سبع دول هشة أو متأثرة بالنزاعات، مما يجعل انهياره كارثة إقليمية شاملة.
فإذا ما ازداد التشرذم، لن تقتصر عواقبه على الداخل، بل ستعيد تشكيل المشهد الأمني الأفريقي، حيث ستتحول دارفور والنيل الأزرق وشرق السودان إلى مناطق شبه مستقلة ذات طابع عسكري، تربطها شبكات تهريب البشر والمحسوبية المسلحة، مما يولد “قوسا إقليميا” من عدم الاستقرار يمتد من الساحل إلى القرن الأفريقي.
درس جنوب السودان
تمتلك البلاد سابقة تاريخية للتفكك من خلال استقلال جنوب السودان عام 2011. ورغم أن التقسيم نظر إليه كحل سياسي للصراع، إلا أنه فشل في تحقيق استقرار دائم.
ويعد الدرس المستفاد بالغ الأهمية: فالفصل الإقليمي وحده لا يكفي لحل الأزمات البنيوية. لذا، فإن الأزمة الحالية ليست مجرد مسار تفكك على غرار ليبيا، بل هي استمرار لدورة السودان التاريخية في بناء دولة غير مكتملة.
استراتيجية التجميد: ضرورة استراتيجية
إن الأولوية القصوى هي “تجميد الصراع” قبل أن يصبح التفتت أمرا لا رجعة فيه. لا يعني هذا قبول الانقسام الدائم، بل منع تحول خطوط المواجهة الحالية إلى حدود سياسية. فكلما طالت الحرب، ترسخت واقعا جغرافيا واقتصاديا وتحالفات خارجية منفصلة، مما يجعل إعادة بناء سلطة الدولة الموحدة أمرا بالغ الصعوبة.
لتحقيق ذلك، يجب تبني إطار عمل ثلاثي المسارات:
المسار الإنساني: الوصول الفوري للمساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، بعيدا عن الحسابات العسكرية.
مسار وقف إطلاق النار: تجميد خطوط الصراع، والحد من العنف، ومنع المزيد من التفتت من خلال آليات رصد مدعومة بإشراف إقليمي ومدني.
المسار السياسي: عملية شاملة تركز على المدنيين، تشمل لجان المقاومة، والنساء، والشباب، والأحزاب السياسية، لمعالجة الجذور الهيكلية للأزمة من إقصاء وحكم غير عادل.
الدور الإقليمي الحاسم
تضطلع إثيوبيا بدور إقليمي حيوي بفضل موقعها في الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيغاد)، إن تشتت مبادرات الوساطة إلى مسارات دولية متنافسة كان من أبرز إخفاقات الأزمة الليبية، والسودان لا يمكنه تحمل تشتت دبلوماسي مماثل. بإمكان إثيوبيا تنسيق الوساطة الإقليمية، والحد من التصعيد بالوكالة، وتيسير حوار سوداني شامل يحمي إطار الدولة المدنية.
في نهاية المطاف، لم تعد أزمة السودان مجرد صراع بين طرفين مسلحين، بل باتت تتعلق باحتمالية انزلاق دولة أفريقية كبرى إلى تشرذم إقليمي يمتد أثره لأجيال. إن منع هذه النتيجة يتطلب تجميد الصراع قبل تحوله إلى واقع دائم، مع العمل الدؤوب على تعزيز عملية سياسية مدنية شاملة قادرة على الحفاظ على وحدة الدولة، فالسودان يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، إما استعادة الدولة أو الانزلاق نحو فراغ جيوسياسي أوسع وأشد قسوة من فراغ ليبيا.
المصدر: هورن ريفيو








