تقرير حقوقي يتحدث عن مداهمات منزلية وضغوط على العائلات لتسليم أبنائها في مدن وبلدات عدة بالإقليم الإثيوبي.. وسكان يؤكدون أن الخوف عاد ليخيّم على منطقة لم تتعافَ بعد من واحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا
أديس أبابا – المنشر الإخباري
بعد أقل من أربع سنوات على انتهاء الحرب المدمرة التي مزقت إقليم تيغراي الإثيوبي وخلفت مئات الآلاف من الضحايا والنازحين، عادت المخاوف الأمنية لتسيطر على حياة السكان مجدداً، لكن هذه المرة من بوابة اتهامات خطيرة تتحدث عن حملة تجنيد قسري واسعة تستهدف الشباب في مختلف أنحاء الإقليم.
وتقول منظمات حقوقية وسكان محليون إن عشرات الشبان باتوا ينامون في الحقول والمزارع أو يتنقلون بين منازل الأقارب بشكل مستمر هرباً من فرق بحث يقال إنها تجوب الأحياء والقرى بحثاً عن أشخاص مطلوبين للالتحاق بالقوات المسلحة.
وتثير هذه التطورات قلقاً متزايداً داخل تيغراي، ليس فقط بسبب تأثيرها المباشر على حياة السكان، بل لأنها تعيد إلى الواجهة تساؤلات أعمق حول مستقبل اتفاق السلام الذي أنهى الحرب، ومدى قدرة الإقليم على تجنب العودة إلى دوامة العنف والصراع.
تقرير حقوقي يكشف ما يجري في الإقليم
أعاد تقرير حديث صادر عن منظمة “هيومن رايتس فيرست إثيوبيا” (HRFE) تسليط الضوء على أوضاع تيغراي، بعدما تحدث عن ما وصفه بحملة تجنيد قسرية متنامية تشمل عدداً من المدن والبلدات الرئيسية.
وبحسب التقرير، فإن عمليات التجنيد لا تقتصر على منطقة واحدة، بل تمتد عبر نطاق جغرافي واسع يشمل أكسوم وأدوا وشيري وأديغرات ومقلي ووكرو، إضافة إلى مناطق ريفية في الأجزاء الوسطى والشمالية الغربية من الإقليم.
ويؤكد التقرير أن الحملة تُنفذ من خلال شبكات محلية وإدارية مختلفة، مع مشاركة مسؤولين محليين ولجان مجتمعية في عمليات البحث عن الشباب المؤهلين للخدمة العسكرية.
ووفق شهادات أوردها التقرير، فإن بعض العائلات تتعرض لضغوط متزايدة للكشف عن أماكن أبنائها، فيما يخشى كثيرون من أن يؤدي رفض التعاون إلى التعرض لعقوبات أو مضايقات.
“إذا وجدوا ابنك سيأخذونه”
أكثر ما يلفت الانتباه في التقرير هو الشهادات الإنسانية التي تعكس حجم الخوف المنتشر بين السكان.
فأحد المواطنين الذين تحدثوا للمنظمة الحقوقية قال إن فرق البحث تنتقل من منزل إلى آخر بشكل منتظم، مضيفاً أن الأهالي يعيشون في حالة ترقب دائمة خشية وصولها إلى منازلهم.
وأوضح أن كثيراً من الأسر باتت تتخذ إجراءات استثنائية لحماية أبنائها، من بينها إرسالهم إلى مناطق بعيدة أو إبقاؤهم خارج المنزل معظم الوقت.
ويقول سكان إن الحياة اليومية تغيرت بصورة ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، حيث أصبح بعض الشباب يتجنبون الأسواق والتجمعات العامة وحتى المناسبات الاجتماعية خوفاً من التعرف عليهم أو توقيفهم.
لماذا الآن؟
السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين هو: لماذا تظهر هذه الاتهامات في هذا التوقيت تحديداً؟
يرى محللون أن الإجابة ترتبط بالتطورات السياسية والأمنية المعقدة التي يشهدها الإقليم منذ انتهاء الحرب.
فعلى الرغم من توقيع اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، فإن كثيراً من القضايا الجوهرية ما زالت عالقة حتى اليوم.
ومن بين هذه القضايا مستقبل القوات المسلحة التابعة لتيغراي، وآليات دمج المقاتلين السابقين، وترتيبات الأمن المحلي، إضافة إلى النزاعات الحدودية مع المناطق المجاورة.
ويرى بعض المراقبين أن المخاوف من تدهور الوضع الأمني أو اندلاع مواجهات جديدة ربما دفعت جهات محلية إلى السعي لتعزيز قدراتها العسكرية.
لكن الحقوقيين يؤكدون أن أي اعتبارات أمنية لا يمكن أن تبرر اللجوء إلى التجنيد القسري أو فرض الخدمة العسكرية على السكان دون موافقتهم.
جراح الحرب لم تلتئم بعد
تكمن خطورة هذه التطورات في أنها تحدث داخل مجتمع ما زال يعاني من آثار حرب وصفت بأنها واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
فالحرب التي اندلعت بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وقوات تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 استمرت عامين تقريباً وأسفرت عن دمار واسع النطاق.
وخلال تلك الفترة تعرضت مدن وقرى بأكملها للتدمير، وانقطعت الخدمات الأساسية عن ملايين السكان، بينما واجه الإقليم أزمات حادة في الغذاء والدواء والرعاية الصحية.
كما أجبرت الحرب أعداداً ضخمة من السكان على النزوح من منازلهم، فيما فقد كثيرون أفراداً من عائلاتهم أو مصادر رزقهم.
ورغم مرور سنوات على انتهاء القتال، فإن آثار الحرب لا تزال حاضرة بقوة في الحياة اليومية لسكان تيغراي.
الشباب يدفعون الثمن الأكبر
تشير شهادات السكان إلى أن الشباب هم الفئة الأكثر تضرراً من الوضع الحالي.
فإلى جانب الصعوبات الاقتصادية الحادة وارتفاع معدلات البطالة، يواجه كثير منهم اليوم مخاوف جديدة تتعلق بإمكانية إجبارهم على الانخراط في أنشطة عسكرية.
ويقول مراقبون إن هذه المخاوف تدفع بعض الشباب إلى التفكير في مغادرة الإقليم أو الهجرة إلى مناطق أخرى داخل إثيوبيا وخارجها.
كما أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى نزيف بشري جديد يحرم تيغراي من جزء مهم من طاقته الشبابية في وقت يحتاج فيه الإقليم إلى إعادة البناء والتنمية أكثر من أي وقت مضى.
مخاوف من تقويض اتفاق السلام
أحد أبرز التحديات التي تطرحها هذه الاتهامات يتعلق بتأثيرها المحتمل على عملية السلام.
فالثقة بين السكان والمؤسسات السياسية والأمنية تُعد عنصراً أساسياً لضمان نجاح أي اتفاق سلام طويل الأمد.
لكن عندما يشعر المواطنون بأنهم مهددون أو معرضون للإجبار على الالتحاق بالقوات المسلحة، فإن ذلك قد ينعكس سلباً على مستوى الثقة العامة.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذه الأجواء قد يفتح الباب أمام مزيد من التوترات السياسية والاجتماعية داخل الإقليم، وربما يؤدي إلى ظهور موجات احتجاج أو مقاومة محلية.
أزمة إنسانية جديدة تلوح في الأفق
لا تقتصر التداعيات المحتملة لهذه الأزمة على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى البعد الإنساني أيضاً.
فإذا استمرت حالة الخوف الحالية، فقد تشهد بعض المناطق موجات نزوح داخلية جديدة، خصوصاً بين العائلات التي تسعى لإبعاد أبنائها عن حملات التجنيد.
كما أن هروب الشباب من منازلهم أو توقفهم عن العمل والدراسة يمكن أن يزيد من الأعباء الاقتصادية على الأسر التي تعاني أصلاً من ظروف معيشية صعبة.
وتحذر منظمات إنسانية من أن أي اضطرابات جديدة في تيغراي قد تعرقل جهود إعادة الإعمار وتعافي الاقتصاد المحلي الذي ما زال هشاً بعد سنوات الحرب.
غياب الرد الرسمي
حتى الآن لم يصدر رد رسمي مفصل يعالج بشكل مباشر الاتهامات الواردة في التقرير الحقوقي.
ويزيد هذا الصمت من حالة الغموض التي تحيط بالقضية، ويمنح مساحة أوسع للتكهنات والمخاوف داخل المجتمع المحلي.
ويطالب ناشطون ومنظمات حقوقية بإجراء تحقيق مستقل وشفاف للكشف عن حقيقة ما يجري، وتحديد ما إذا كانت هناك بالفعل عمليات تجنيد قسري منظمة، أو أن الأمر يتعلق بإجراءات أمنية يجري تنفيذها بصورة مختلفة عما يتم تداوله.
بين السلام الهش وشبح العودة إلى الحرب
في نهاية المطاف، تبدو قضية التجنيد القسري المزعوم في تيغراي أكبر من مجرد ملف حقوقي أو أمني عابر.
فهي تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الإقليم على الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام المستدام.
كما أنها تعكس حجم التحديات التي لا تزال تواجه واحدة من أكثر المناطق اضطراباً في أفريقيا، حيث تتداخل الحسابات الأمنية والسياسية والإنسانية بصورة معقدة.
وبينما يواصل سكان تيغراي محاولة إعادة بناء حياتهم بعد سنوات من الدمار، يجد كثيرون أنفسهم أمام مخاوف جديدة تعيد إلى الأذهان ذكريات لم تبتعد كثيراً.
ويبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الاتهامات مجرد أزمة مؤقتة يمكن احتواؤها، أم أنها مؤشر على توترات أعمق قد تعيد الإقليم إلى دائرة الصراع التي خرج منها بشق الأنفس؟








