مبادرة أمريكية جديدة لإعادة توحيد السلطة في ليبيا تثير جدلاً واسعاً.. وخارطة طريق تقترح انتخابات في 2027 وسط تشكيك في إمكانية التنفيذ
طرابلس- المنشر_الاخباري
تشهد الساحة الليبية تطورات سياسية متسارعة تعكس عودة الملف الليبي إلى واجهة الاهتمام الدولي، في ظل إعلان قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر ترحيبه واستعداده للانخراط في مسار تفاوضي جديد، يستند إلى مبادرة أمريكية طرحت عبر مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، وتركز على إعادة توحيد السلطة التنفيذية وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات شاملة.
ويأتي هذا التحول في وقت حساس تمر به ليبيا، حيث تتقاطع المبادرات الدولية مع انقسامات داخلية عميقة، وصراع مستمر بين مؤسسات سياسية وعسكرية تتوزع بين الشرق والغرب، ما يجعل أي تقدم في المسار السياسي مرهوناً بتفاهمات معقدة بين أطراف محلية وإقليمية ودولية.
وبحسب ما تم الإعلان عنه، فإن المبادرة الأمريكية الجديدة تقوم على تصور “براغماتي” للحل في ليبيا، يركز على ضرورة توحيد السلطة التنفيذية كخطوة أولى، يليها الدفع نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية طال انتظارها منذ عام 2021، وسط محاولات متكررة لم تنجح في كسر الجمود السياسي.
في المقابل، أكدت رئاسة المجالس الثلاثة في ليبيا (مجلس النواب، مجلس الدولة، والمجلس الرئاسي) التزامها بخارطة طريق سياسية جديدة تهدف إلى إنهاء المرحلة الانتقالية، وحددت موعداً أقصاه 17 فبراير 2027 لإجراء الانتخابات العامة، في خطوة اعتُبرت محاولة لإعادة ضبط المسار السياسي وتفادي الفراغ المؤسسي.




ورغم ما يبدو من توافق شكلي على ضرورة إجراء الانتخابات، إلا أن المشهد السياسي الليبي لا يزال يعاني من تباينات جوهرية حول القوانين الانتخابية، وشروط الترشح، وطبيعة السلطة التنفيذية المقبلة، إضافة إلى استمرار وجود حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، ما يفاقم من تعقيد عملية التوافق.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن إعلان حفتر استعداده للانخراط في تفاوض مباشر مع الجانب الأمريكي يعكس تحولات في تكتيك القوى الرئيسية في شرق ليبيا، خاصة في ظل إدراك متزايد بأن الحل العسكري لم يعد خياراً عملياً، وأن المسار السياسي بات ضرورة تفرضها الضغوط الدولية والإقليمية.
كما تشير المعطيات إلى أن واشنطن تحاول إعادة تنشيط دورها في الملف الليبي عبر مقاربة جديدة تقوم على دعم مسار تقوده البعثة الأممية، مع التركيز على تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية، وتجنب الانزلاق نحو صدامات عسكرية جديدة قد تعيد البلاد إلى مربع الفوضى.
ورغم هذا الحراك، لا تزال هناك عقبات جوهرية تعترض أي تسوية محتملة، أبرزها غياب التنسيق الموحد بين الأطراف الليبية، حيث تسعى كل جهة إلى توظيف المبادرات الدولية بما يخدم مصالحها السياسية ونفوذها على الأرض، بدلاً من الانخراط في حل شامل ومتوازن.
كما أن تحديد مواعيد بعيدة للانتخابات، مثل الموعد المقترح في فبراير 2027، يثير شكوكاً واسعة داخل الأوساط السياسية والشعبية، خاصة في ظل تجارب سابقة شهدت إعلان تواريخ انتخابية لم تُنفذ بسبب خلافات سياسية وأمنية في اللحظات الأخيرة.
ويعتبر محللون أن المشكلة الأساسية في الحالة الليبية لا تتعلق فقط بغياب التوافق على الانتخابات، بل أيضاً بغياب بيئة سياسية وأمنية مستقرة تسمح بإجرائها بشكل نزيه وشفاف، في ظل انتشار الميليشيات المسلحة وتعدد مراكز القرار داخل الدولة.
كما يشير خبراء إلى أن البيان الصادر عن المشير خليفة حفتر، والذي ترك تفاصيل التفاوض مفتوحة، يعكس وجود مساحة رمادية في الموقف السياسي، يمكن أن تتحول إما إلى فرصة للتفاهم أو إلى نقطة تعقيد إضافية، بحسب تطورات المفاوضات والتوازنات الإقليمية.
وفي المقابل، تتداخل مصالح قوى إقليمية ودولية في الملف الليبي، حيث تلعب أطراف متعددة أدواراً مباشرة وغير مباشرة في دعم أطراف محلية مختلفة، ما يجعل أي تسوية سياسية مرتبطة بتفاهمات أوسع تتجاوز الحدود الليبية.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تشهده المنطقة ككل، حيث تتزايد التحديات الأمنية والسياسية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ما يضع الملف الليبي ضمن دائرة الاهتمام الدولي باعتباره أحد أبرز ملفات عدم الاستقرار في الإقليم.
وبينما يرى البعض أن المبادرة الأمريكية الحالية قد تشكل فرصة جديدة لإعادة إطلاق العملية السياسية، فإن آخرين يعتبرون أنها لا تختلف كثيراً عن مبادرات سابقة لم تحقق اختراقاً حقيقياً، بسبب غياب آليات تنفيذ واضحة وضمانات دولية ملزمة.
وفي المحصلة، يبقى المشهد الليبي مفتوحاً على عدة احتمالات، بين نجاح محتمل لمسار تفاوضي جديد قد يعيد توحيد المؤسسات ويقود نحو انتخابات طال انتظارها، وبين استمرار حالة الجمود السياسي وتدوير الأزمة تحت عناوين جديدة دون حلول جذرية.










