منظمة الأمم المتحدة للطفولة تؤكد أن مئات الأطفال الفلسطينيين سقطوا بين قتيل وجريح منذ إعلان وقف إطلاق النار، محذرة من كارثة إنسانية ونفسية متفاقمة تهدد جيلاً كاملاً في قطاع غزة.
نيويورك- المنشر_الاخباري
حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” من استمرار التدهور الخطير في أوضاع الأطفال داخل قطاع غزة، مؤكدة أن وقف إطلاق النار المعلن منذ أشهر لم ينجح في توفير الحماية اللازمة للمدنيين، بل تحول بالنسبة للكثير من الأطفال الفلسطينيين إلى “وهم قاتل” لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض.
وقال المتحدث باسم المنظمة جيمس إلدر إن الحديث المتكرر عن وجود تهدئة أو وقف لإطلاق النار في غزة يتناقض مع الواقع الذي يعيشه الأطفال يومياً، مشيراً إلى أن أعداد الضحايا من الأطفال ما زالت ترتفع رغم مرور أشهر على الإعلان عن وقف العمليات العسكرية.
وأوضح إلدر أن مئات الأطفال فقدوا حياتهم منذ بدء سريان التهدئة المعلنة، فيما أصيب مئات آخرون بجروح متفاوتة الخطورة، مؤكداً أن غالبية الضحايا سقطوا نتيجة هجمات استهدفت مناطق مدنية أو بسبب مخلفات الحرب المنتشرة في أنحاء القطاع.
وأضاف أن الأطفال الذين قتلوا خلال هذه الفترة لم يكونوا في مواقع قتال أو مناطق عسكرية، بل داخل منازلهم أو المدارس أو المخيمات التي لجأت إليها عائلاتهم هرباً من العمليات العسكرية، الأمر الذي يعكس حجم المخاطر التي ما زالت تهدد المدنيين رغم الحديث عن التهدئة.
وأشار المتحدث باسم “يونيسف” إلى أن بعض الأطفال فقدوا حياتهم أثناء اللعب أو ممارسة أنشطة يومية عادية، بينما تعرض آخرون لإطلاق نار أو غارات مفاجئة، ما يجعل مفهوم وقف إطلاق النار بالنسبة للعائلات الفلسطينية موضع شك وتساؤل.
وأكدت المنظمة أن الأرقام المسجلة خلال الأشهر الأخيرة تثير قلقاً بالغاً، إذ سقط عدد كبير من الأطفال بين قتيل وجريح خلال فترة كان من المفترض أن تشهد تحسناً في الوضع الأمني والإنساني.
ولم تقتصر تحذيرات “يونيسف” على الخسائر البشرية فقط، بل شملت أيضاً التداعيات الصحية والإنسانية طويلة المدى التي تهدد مستقبل الأطفال في القطاع. فالكثير من المصابين يعانون إصابات خطيرة تحتاج إلى عمليات جراحية معقدة وعلاج طويل الأمد، في وقت يواجه فيه النظام الصحي في غزة ضغوطاً هائلة ونقصاً حاداً في الأدوية والمعدات الطبية.
وأوضحت المنظمة أن مئات الأطفال يحتاجون إلى إجلاء طبي عاجل خارج القطاع للحصول على الرعاية الصحية اللازمة، لكن القيود المفروضة على حركة المرضى والمساعدات الطبية تعرقل هذه الجهود وتؤخر حصول المصابين على العلاج المناسب.
كما أشارت إلى أن النقص المستمر في الأدوية الأساسية والمستلزمات الطبية يزيد من معاناة الأطفال الجرحى، ويرفع من احتمالات حدوث مضاعفات صحية خطيرة قد تؤدي إلى إعاقات دائمة أو فقدان المزيد من الأرواح.
وفي الجانب النفسي، رسمت “يونيسف” صورة قاتمة لما يعيشه أطفال غزة، مؤكدة أن أكثر من مليون طفل يواجهون مستويات غير مسبوقة من الضغوط النفسية نتيجة سنوات الحرب والحصار وفقدان أفراد الأسرة والنزوح المتكرر.
وقالت المنظمة إن مشاعر الخوف والقلق وعدم اليقين أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للأطفال في القطاع، حيث يعاني كثير منهم اضطرابات النوم والكوابيس المستمرة وصعوبات التركيز والتعلم، فضلاً عن أعراض الصدمات النفسية التي قد تستمر لسنوات طويلة.
وأضافت أن الأطفال الذين شهدوا مقتل أفراد من عائلاتهم أو تدمير منازلهم يواجهون تحديات نفسية معقدة تتطلب برامج دعم وتأهيل متخصصة، وهو ما يصعب توفيره في ظل الظروف الحالية.
كما حذرت المنظمة من أن استمرار هذه الأوضاع يهدد بخلق جيل كامل يعاني آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، الأمر الذي ستكون له انعكاسات طويلة الأمد على المجتمع الفلسطيني بأكمله.
ودعت “يونيسف” المجتمع الدولي إلى التحرك بشكل عاجل من أجل ضمان حماية الأطفال والمدنيين، وتوفير ممرات آمنة للمساعدات الإنسانية والطبية، إضافة إلى دعم المؤسسات الصحية والتعليمية التي تعرضت لأضرار جسيمة خلال سنوات الصراع.
وأكدت أن الأطفال يجب أن يكونوا في صدارة أي جهود سياسية أو إنسانية تهدف إلى معالجة الأزمة في غزة، مشددة على أن حماية الطفولة لا يمكن أن تنتظر التوصل إلى حلول سياسية طويلة الأمد.
كما طالبت المنظمة بزيادة الدعم الدولي المخصص للبرامج الإنسانية والصحية والنفسية في القطاع، مشيرة إلى أن حجم الاحتياجات الحالية يفوق بكثير الإمكانات المتاحة للوكالات الدولية والمنظمات العاملة على الأرض.
ويرى مراقبون أن تصريحات “يونيسف” تعكس حجم الفجوة بين التصريحات السياسية التي تتحدث عن وقف إطلاق النار وبين الواقع الميداني الذي ما زال يشهد سقوط ضحايا واستمرار معاناة السكان، خصوصاً الأطفال الذين يمثلون الشريحة الأكثر هشاشة في المجتمع الفلسطيني.
وفي ظل استمرار التحديات الإنسانية والأمنية، تؤكد المنظمات الدولية أن أي حديث عن نجاح التهدئة يبقى ناقصاً ما لم ينعكس بشكل ملموس على حياة المدنيين، وعلى رأسهم الأطفال الذين ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر للصراع المستمر في قطاع غزة.










