خلافات داخلية في الحركة الإسلامية والجيش السوداني حول مستقبل واحدة من أكبر الفصائل المقاتلة وسط إدراجها على قوائم الإرهاب الأمريكية وتصاعد الضغوط الدولية
الخرطوم- المنشر الاخبارى
تتجه الأوضاع في السودان نحو مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي، في ظل تصاعد الضغوط الدولية التي تستهدف عدداً من التشكيلات المسلحة المنخرطة في القتال إلى جانب الجيش السوداني، وفي مقدمتها “كتيبة البراء بن مالك”، التي باتت محور جدل واسع داخلياً وخارجياً بعد إدراجها على قوائم الإرهاب الأمريكية.
وبحسب تقارير صحف سودانية ومصادر سياسية في الخرطوم، فإن نقاشات مكثفة تدور داخل دوائر الحركة الإسلامية السودانية بشأن مستقبل الكتيبة، وسط خلافات واضحة حول السيناريو الأنسب للتعامل مع الضغوط الأمريكية المتزايدة، والتي وضعت الكتيبة والحركة الإسلامية ضمن قائمة “التنظيمات الإرهابية الأجنبية” في قرار صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية منتصف مارس الماضي.
وتشير المعطيات إلى أن هذه التطورات دفعت إلى طرح عدة خيارات داخلية، تتراوح بين إعادة هيكلة الكتيبة تحت مسمى جديد، أو دمجها داخل وحدات نظامية تابعة للجيش السوداني، أو تفكيكها بشكل كامل، وهو خيار يُنظر إليه على أنه الأكثر حساسية نظراً لحجم القوة العسكرية والتنظيمية التي تمتلكها الكتيبة على الأرض.
وتُعد كتيبة البراء بن مالك واحدة من أكبر التشكيلات المسلحة التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية، حيث يُقدَّر عدد عناصرها بنحو 20 ألف مقاتل، وفق تقديرات غير رسمية، ما يجعلها قوة مؤثرة في مسار العمليات العسكرية الجارية في عدة مناطق من البلاد.
إدراج أمريكي يفتح ملفاً معقداً
وجاء تصاعد الجدل بعد إعلان واشنطن تصنيف الحركة الإسلامية السودانية وكتيبة البراء بن مالك ضمن قوائم الإرهاب، وهو القرار الذي اعتبره مراقبون تحولاً كبيراً في الموقف الأمريكي تجاه القوى المسلحة في السودان، خصوصاً تلك التي ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالجيش في سياق الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ قدمت جهات داخل الكونغرس الأمريكي مشروع قرار إضافي يستهدف توسيع دائرة العقوبات لتشمل أفراداً وتشكيلات مسلحة متهمة بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين السودانيين، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتشديد الضغط السياسي والقانوني على الأطراف الفاعلة في النزاع.
خلافات داخلية حول المستقبل
وبحسب مصادر مطلعة، فإن النقاش داخل الحركة الإسلامية السودانية لا يزال غير محسوم، في ظل تباين وجهات النظر حول كيفية التعامل مع التصنيف الأمريكي. فبينما يدفع تيار باتجاه إعادة الهيكلة وتغيير الاسم والشكل التنظيمي لتخفيف الضغط الدولي، يرى تيار آخر أن الحل يكمن في دمج الكتيبة بالكامل داخل الجيش النظامي، بما يمنحها غطاءً قانونياً ويقلل من الاستهداف الخارجي.
في المقابل، يطرح خيار التفكيك الكامل نفسه كأحد السيناريوهات المطروحة على الطاولة، لكنه يواجه رفضاً من أطراف تعتبر أن ذلك قد يترك فراغاً عسكرياً كبيراً في ساحات القتال، خاصة أن الكتيبة تلعب دوراً ميدانياً مهماً في بعض الجبهات.
اتهامات وانقسام دولي
وتواجه الكتيبة اتهامات دولية تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان، من بينها عمليات قتل خارج نطاق القانون واعتقالات تعسفية، وهي اتهامات تنفيها أطراف سودانية مقربة من الجيش، وتعتبرها جزءاً من حملة سياسية تستهدف تقويض قدرات القوات المقاتلة على الأرض.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن الكتيبة تلقت تدريباً ودعماً عسكرياً غير مباشر من الحرس الثوري الإيراني، وهو ما أضاف بعداً إقليمياً أكثر تعقيداً للملف، خصوصاً في ظل التوترات القائمة بين واشنطن وطهران في عدة ساحات إقليمية.
وتعتبر الإدارة الأمريكية أن الطابع الأيديولوجي للكتيبة، إلى جانب دورها العسكري، يشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي، وهو ما يبرر، بحسب واشنطن، خطوات التصنيف والعقوبات المتزايدة.
تأثير مباشر على الجيش السوداني
ويرى محللون أن هذه التطورات تضع الجيش السوداني أمام تحدٍ مزدوج، يتمثل في الحفاظ على قدراته الميدانية من جهة، والاستجابة للضغوط الدولية من جهة أخرى، خاصة أن الجيش يعتمد في بعض المناطق على تحالفات مع تشكيلات مسلحة مختلفة لدعم عملياته في ظل الحرب المستمرة.
كما أن أي خطوة لإعادة هيكلة أو دمج أو تفكيك الكتيبة قد تؤثر بشكل مباشر على ميزان القوى في الميدان، في وقت يشهد فيه السودان حالة من الانقسام السياسي والعسكري المعقد.
وفي ظل غياب قرار نهائي حتى الآن، تبقى جميع السيناريوهات مطروحة، بدءاً من إعادة التسمية والدمج، مروراً بإعادة الهيكلة، وصولاً إلى التفكيك الكامل، وهو ما يجعل مستقبل كتيبة البراء بن مالك مرتبطاً بتطورات داخلية وخارجية متسارعة.
ويرجح مراقبون أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الكتيبة، خصوصاً مع تزايد الضغوط الدولية، وتنامي النقاش الداخلي حول ضرورة إعادة تنظيم العلاقة بين الجيش السوداني والفصائل المسلحة التي تقاتل إلى جانبه.
وفي المحصلة، يعكس هذا الملف حجم التعقيد الذي يطبع المشهد السوداني حالياً، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية والسياسية والإقليمية في صياغة مستقبل واحد من أكثر النزاعات تعقيداً في المنطقة.










