بيروت – المنشر_الاخباري
في واحدة من أكثر الملفات الإنسانية حساسية وسط الحرب الدائرة في المنطقة، برز ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية كعنصر أساسي على طاولة المفاوضات الجارية بين بيروت وتل أبيب، في سياق مساعٍ دولية لإنهاء الحرب المستمرة منذ عام 2024، وسط اتهامات متبادلة، وتضارب في المعلومات، وصمت إسرائيلي رسمي يفاقم معاناة العائلات.
القصة التي بدأت بمآسٍ فردية تحولت اليوم إلى قضية سياسية ودبلوماسية معقدة، حيث تؤكد الحكومة اللبنانية أن إطلاق سراح المعتقلين بات شرطاً محورياً في أي اتفاق لوقف إطلاق النار، في وقت تتحدث فيه منظمات حقوقية عن ما لا يقل عن 37 معتقلاً لبنانياً، معظمهم من المدنيين الذين فُقدوا خلال عمليات عسكرية أو بعد اتفاقات تهدئة سابقة.
أم تنتظر في العتمة
في قلب هذا الملف، تختزل اللبنانية سوسن علامة المأساة الإنسانية بكلماتها الموجعة:
“لم يخطر ببالي أبداً أن هذه الحرب ستسلبني ابني”.
ابنها جواد، البالغ من العمر 18 عاماً، فُقد في جنوب لبنان خلال ظروف غامضة، لتبدأ رحلة من البحث المضني بين المؤسسات الرسمية والجهات الدولية، دون أي نتيجة. تقول الأم إنها تواصلت مع الجيش اللبناني، والسلطات المحلية، وحتى الأمم المتحدة، لكن دون أن تحصل على أي معلومة عن مصير ابنها.
وتضيف بمرارة: “أريد فقط أن أعرف الحقيقة.. أين هو الآن؟”.
اختفاءات غامضة واتهامات بالإخفاء القسري
بحسب تقارير حقوقية، فإن غالبية المعتقلين هم من المدنيين الذين جرى احتجازهم خلال التوغلات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، أو عقب اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وتشير هذه التقارير إلى أن المحتجزين حُرموا من أي إجراءات قانونية واضحة، ومن التواصل مع محامين أو عائلاتهم، في ظل غياب أي توضيحات رسمية من الجانب الإسرائيلي، ما يعزز الاتهامات بوجود “إخفاء قسري” واسع النطاق.
وفي الوقت نفسه، تؤكد مصادر حقوقية أن إسرائيل لا تسمح حتى الآن للجنة الدولية للصليب الأحمر بالوصول إلى أماكن احتجاز هؤلاء المعتقلين، وهو ما يفاقم الغموض حول أوضاعهم الصحية والإنسانية.
قضية تتحول إلى ملف تفاوضي
ما كان يوماً ملفاً إنسانياً محدوداً بات اليوم جزءاً من مفاوضات سياسية أوسع بين لبنان وإسرائيل، تهدف إلى إنهاء الحرب وإعادة الاستقرار إلى الحدود الجنوبية.
وتشير المعطيات إلى أن بيروت تضع ملف المعتقلين كأحد الشروط الأساسية في أي اتفاق نهائي، إلى جانب ملفات أخرى تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي ووقف العمليات العسكرية.
وفي المقابل، تلتزم إسرائيل الصمت بشأن مصير المعتقلين، ما يزيد من تعقيد المفاوضات ويترك مصير العشرات معلقاً بين السياسة والدبلوماسية.
شهادات من الداخل: “لا نعرف شيئاً”
في ظل هذا الغموض، يختصر ممثل الأسرى والمعتقلين اللبنانيين المفرج عنهم، أحمد طالب, حجم المأساة قائلاً:
“حتى هذه اللحظة، ترفض إسرائيل تقديم أي معلومات عن هؤلاء المعتقلين، نحن لا نعرف شيئاً عن أوضاعهم الصحية أو أماكن احتجازهم”.
هذا الصمت الرسمي الإسرائيلي يواجه بضغط متزايد من عائلات المعتقلين ومنظمات حقوق الإنسان التي تطالب بكشف مصير المحتجزين فوراً، والسماح بزيارات دولية مستقلة.
الحرب وتداعياتها الإنسانية
تأتي هذه القضية في سياق حرب واسعة اندلعت في مارس/آذار 2024، وأسفرت وفق بيانات لبنانية عن مقتل أكثر من 4175 شخصاً وإصابة نحو 12 ألفاً و164 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص من مناطقهم.
كما تشير المعطيات إلى استمرار وجود قوات إسرائيلية في مناطق من جنوب لبنان، بعضها محتلة منذ عقود، وأخرى جرى التوغل فيها خلال الحرب الحالية لمسافة تتجاوز 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في أعمق تقدم منذ انسحاب عام 2000.
اتفاقات وقف النار على المحك
وتأتي هذه التطورات في ظل اتفاق سياسي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران في 18 يونيو/حزيران، يقضي بوقف القتال في مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، مع التأكيد على احترام السيادة ووحدة الأراضي.
لكن تطبيق هذا الاتفاق لا يزال يواجه عقبات كبيرة، أبرزها استمرار التوترات الميدانية، وتعثر معالجة ملف المعتقلين، وغياب آليات تنفيذ واضحة لبنود التهدئة.
بين السياسة والإنسان
بين حسابات السياسة وتعقيدات المفاوضات، يبقى الملف الإنساني الأكثر إلحاحاً هو مصير العشرات من اللبنانيين المفقودين داخل السجون الإسرائيلية.
وفي الوقت الذي تتحرك فيه الوفود الدبلوماسية في عواصم مختلفة، تقف عائلات المعتقلين على الجانب الآخر من المشهد، معلقة بين الأمل واليأس، بانتظار إجابة واحدة لم تأتِ بعد:
أين هم أبناؤنا؟










