خلافات حادة حول السيارات والرسوم الجمركية تدفع الولايات المتحدة نحو رفض تمديد اتفاق التجارة مع كندا والمكسيك، ما يفتح الباب أمام اضطراب اقتصادي واسع.
واشنطن – المنشر الاخبارى
تتجه العلاقات التجارية في أميركا الشمالية إلى مرحلة مفصلية مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وكل من كندا والمكسيك حول مستقبل اتفاق التجارة “USMCA”، وسط مؤشرات قوية على أن واشنطن تميل إلى عدم تمديد الاتفاق لفترة إضافية طويلة، ما يهدد أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم بإعادة تشكيل جذري.
الاتفاق، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2020 ليحل محل اتفاقية “نافتا” التاريخية، يخضع حالياً لمراجعة إلزامية بموجب “بند الانقضاء” المنصوص عليه في المادة 34.7، والذي يفرض على الدول الثلاث إجراء تقييم شامل كل ست سنوات. وفي حال عدم التوافق على تمديد طويل الأمد، يتحول الاتفاق إلى نظام مراجعات سنوية تمتد حتى 10 سنوات، قبل أن يصل إلى تاريخ انتهائه الرسمي في عام 2036.
واشنطن تتجه نحو خيار عدم التمديد
تشير مصادر مطلعة على سير المفاوضات إلى أن الإدارة الأميركية لا تبدو مستعدة لتأكيد تمديد الاتفاق لـ16 عاماً إضافية، وهو ما يعني عملياً دخول الاتفاق في مرحلة “الاستقرار المؤقت” بدل التجديد الكامل، بما يفتح الباب أمام سنوات من عدم اليقين في الأسواق.
وترى دوائر سياسية في واشنطن أن الاتفاق بصيغته الحالية لم يعد يحقق أهداف إعادة توطين الصناعة الأميركية، خصوصاً في القطاعات الاستراتيجية، وعلى رأسها صناعة السيارات، التي تشكل حجر الزاوية في العلاقات التجارية داخل القارة.
معركة السيارات: قلب الأزمة التجارية
يعد قطاع السيارات أبرز نقطة خلاف بين الدول الثلاث. إذ تدفع الولايات المتحدة باتجاه رفع نسبة المحتوى الأميركي في السيارات إلى 50%، وهو ما قد يرفع نسبة المحتوى الإقليمي المطلوبة للحصول على مزايا الاتفاق إلى 82%.
هذا المقترح يهدف، من وجهة نظر واشنطن، إلى تعزيز الصناعة المحلية وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية، لكنه يواجه اعتراضات قوية من كندا والمكسيك، اللتين تعتبران أن هذه الإجراءات تهدد التكامل الصناعي الذي بُني على مدى عقود.
وفي المقابل، طرحت أطراف مكسيكية مقترحات بديلة تشمل فرض تعرفة عالمية بنسبة 15% على السيارات، مع منح تخفيضات جمركية للمنتجات المتوافقة مع شروط USMCA، في محاولة للحفاظ على التوازن بين الحماية الصناعية والانفتاح التجاري.
رسوم جمركية تعمّق الانقسام
التوتر الحالي لم يبدأ من فراغ، إذ سبق أن فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 25% على السيارات وقطع الغيار القادمة من كندا والمكسيك، إضافة إلى رسوم وصلت إلى 50% على الصلب والألمنيوم، ما دفع أوتاوا إلى اتخاذ إجراءات مضادة.
هذه السياسات المتبادلة أدت إلى تآكل الثقة بين الأطراف الثلاثة، ودفعت الشركات إلى إعادة تقييم سلاسل الإمداد الخاصة بها، وسط مخاوف من تصاعد النزعة الحمائية داخل أكبر سوق تجاري في العالم.
مواقف سياسية متباينة
على المستوى السياسي، تعكس التصريحات الرسمية عمق الخلاف القائم. فقد صرّح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأنه لا يتوقع التوصل إلى اتفاق نهائي سريع، مؤكداً أن أولوية بلاده هي “تحسين الاتفاق وليس تثبيته بصيغته الحالية”.
في المقابل، تبنّت الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترامب خطاباً أكثر تشدداً، حيث أشار في تصريحات سابقة إلى أن الاتفاق “قد ينتهي فوراً”، في إشارة إلى استعداد واشنطن لإعادة صياغة الإطار التجاري بالكامل إذا لزم الأمر.
مخاطر اقتصادية واسعة
أي تغيير في مستقبل USMCA ستكون له تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي، نظراً لحجم التبادل التجاري بين الدول الثلاث الذي يتجاوز 1.6 تريليون دولار سنوياً، ويشمل سلاسل إنتاج مترابطة تمتد عبر الحدود بشكل يومي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن حالة عدم اليقين الحالية قد تؤدي إلى تباطؤ الاستثمارات الأجنبية المباشرة في المنطقة، مع احتمال انتقال بعض الشركات إلى أسواق أكثر استقراراً، إذا استمرت التهديدات بإعادة فرض القيود الجمركية.
كما أن الدخول في نظام مراجعات سنوية بدلاً من اتفاق طويل الأمد قد يخلق بيئة غير مستقرة للشركات الصناعية الكبرى، خصوصاً في قطاعات السيارات والطاقة والتكنولوجيا.
سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات
رغم أن السيناريو الأقرب حالياً هو استمرار الاتفاق دون تمديد طويل الأمد، فإن خيار الانسحاب الكامل لا يزال مطروحاً نظرياً، وفق بند يسمح لأي دولة بالانسحاب بعد إشعار مسبق مدته ستة أشهر.
هذا الاحتمال، حتى وإن كان ضعيفاً، يضيف طبقة إضافية من القلق للأسواق، ويدفع الأطراف الثلاثة إلى تسريع وتيرة التفاوض خلال الاجتماعات المقبلة.
خلاصة
يقف اتفاق USMCA اليوم عند نقطة تحول حاسمة قد تعيد رسم خريطة التجارة في أميركا الشمالية. وبين رغبة واشنطن في إعادة ضبط قواعد الصناعة، وسعي كندا والمكسيك للحفاظ على مكتسبات التكامل الاقتصادي، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على إعادة تفاوض شاملة قد تغيّر شكل أحد أهم التكتلات التجارية في العالم.
ومع استمرار الخلافات حول الرسوم والصناعة والتوازن الاقتصادي، يبقى مستقبل الاتفاق معلقاً بين خيارين: إصلاح عميق يعيد تعريف قواعده، أو دخول مرحلة طويلة من عدم الاستقرار التجاري.










