نائبة الرئيس الأميركي السابقة تتحرك خلف الكواليس لاحتواء الجناح التقدمي المؤيد لفلسطين وإعادة صياغة خطاب الحزب الديمقراطي قبل الانتخابات المقبلة.
واشنطن- المنشر_الاخباري
تعمل نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس على إعادة رسم موقعها داخل الحزب الديمقراطي، عبر تحركات سياسية هادئة تهدف إلى ترميم علاقتها مع التيار التقدمي، في إطار استعدادات مبكرة محتملة لخوض انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2028، بحسب ما كشفت عنه تقارير سياسية حديثة.
وتشير هذه التحركات إلى أن هاريس باتت تعتبر أن طريق العودة إلى سباق البيت الأبيض يمر عبر استعادة ثقة الجناح اليساري داخل الحزب، وخاصة الأصوات الشابة والنشطاء المؤيدين للقضية الفلسطينية، الذين لعبوا دوراً متزايد التأثير في النقاشات الداخلية للحزب خلال السنوات الأخيرة.
اتصالات مع شخصيات تقدمية بارزة
في هذا السياق، أجرت هاريس اتصالات مع عدد من الشخصيات المؤثرة في التيار التقدمي، من بينهم عمدة نيويورك زهران ممداني، أحد أبرز الأصوات السياسية الصاعدة داخل الحزب الديمقراطي، والذي يمثل تياراً يسارياً متقدماً في الخطاب السياسي والاجتماعي.
وبحسب مصادر سياسية مطلعة، فقد تناولت المكالمة نقاشات حول مستقبل الحزب الديمقراطي وإعادة بناء قاعدة انتخابية أكثر اتساعاً، إضافة إلى ترتيب لقاءات لاحقة أكثر تفصيلاً بشأن السياسات العامة وخارطة الطريق الانتخابية المقبلة.
ويأتي هذا التواصل بعد نجاح مرشحين مدعومين من دوائر قريبة من ممداني في الإطاحة بعدد من النواب المعتدلين في انتخابات محلية، ما عزز نفوذ التيار التقدمي داخل الحزب وأكد قدرته على التأثير في النتائج الانتخابية.
محاولة ترميم العلاقة مع الجناح التقدمي
تسعى هاريس من خلال هذه اللقاءات إلى إصلاح ما تصفه أوساط داخل الحزب بأنه “تصدع سياسي” بين القيادة الديمقراطية والجناح التقدمي، الذي انتقد بشدة سياسات الإدارة السابقة، خصوصاً في ما يتعلق بالسياسة الخارجية ودعم العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.
وخلال العام الماضي، عقدت هاريس اجتماعات مغلقة مع شخصيات بارزة داخل هذا التيار، من بينهم عباس العلاوي، أحد مؤسسي “حركة غير ملتزمين” (Uncommitted Movement)، والتي برزت خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة كقوة احتجاجية داخل القاعدة الديمقراطية.
وفي أحد اللقاءات الأخيرة في ديترويت، شدد العلاوي على ضرورة إعادة النظر في السياسة الأميركية تجاه النزاعات العسكرية، مؤكداً أن جزءاً من الناخبين يشعر بأن أموال الضرائب لا يجب أن تُستخدم في دعم عمليات عسكرية تؤدي إلى سقوط مدنيين أو تدمير مجتمعات كاملة.
ملف غزة يضغط على الحزب الديمقراطي
يمثل الملف الفلسطيني-الإسرائيلي أحد أكثر القضايا حساسية داخل الحزب الديمقراطي، حيث ساهم في تعميق الانقسام بين المعتدلين والتقدميين.
وقد التقت هاريس أيضاً بجيمس زغبي، أحد أبرز المدافعين عن حقوق الفلسطينيين وعضو سابق في اللجنة الوطنية الديمقراطية، في إطار سلسلة مشاورات تهدف إلى فهم أعمق لمواقف الناخبين العرب والأميركيين من أصول عربية.
كما عقدت لقاءات مع النائبة التقدمية ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز على هامش مؤتمر سياسي في شيكاغو، في مؤشر إضافي على محاولة بناء جسر تواصل مع أبرز رموز اليسار داخل الكونغرس.
شكوك حول التحول السياسي
ورغم هذه التحركات، لا تزال قطاعات واسعة من الناخبين والنشطاء التقدميين متشككة في مدى جدية هذا الانفتاح، معتبرين أنه قد يكون خطوة تكتيكية أكثر من كونه تحولاً جوهرياً في الموقف السياسي.
وتشير آراء داخل المجتمع العربي الأميركي إلى أن فقدان الثقة خلال الانتخابات الماضية لم يُعالج بعد بشكل كامل، خصوصاً في ظل استمرار الانتقادات لسياسات الإدارة السابقة تجاه غزة، وغياب تغييرات ملموسة في المواقف الرسمية للحزب.
إرث سياسي معقد
تواجه هاريس تحدياً إضافياً يتمثل في إرثها السياسي المتقلب، إذ دعمت في انتخابات 2020 أجندة تقدمية واسعة، قبل أن تعيد ضبط خطابها في انتخابات 2024 باتجاه أكثر اعتدالاً، وهو ما خلق حالة من الشك لدى بعض الناخبين حول ثبات مواقفها.
وفي مذكراتها الأخيرة، تناولت هاريس بعض التوترات الداخلية خلال عملها مع إدارة الرئيس السابق جو بايدن، خاصة فيما يتعلق بطريقة التعاطي مع ملف غزة، مشيرة إلى أنها كانت تدفع نحو خطاب أكثر تعاطفاً مع المدنيين.
كما اعترفت بأن الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين التي واجهتها خلال حملتها الانتخابية عام 2024 كانت عاملاً مؤثراً في المزاج السياسي العام، دون أن تقدم موقفاً واضحاً بشأن كيفية معالجة هذا الانقسام.
تمهيد لمعركة 2028
على الرغم من عدم إعلانها رسمياً الترشح، تُصنّف هاريس حالياً ضمن أبرز الأسماء الديمقراطية المحتملة لانتخابات 2028، مع استمرار حضورها القوي في استطلاعات الرأي داخل الولايات الجنوبية، التي تُعد حاسمة في الانتخابات التمهيدية.
وتشير تحركاتها الأخيرة إلى أنها تعمل على توسيع دائرة مشاوراتها لتشمل ملفات دولية وتقنية معقدة، مثل العلاقات مع الصين، والذكاء الاصطناعي، والسياسات تجاه أميركا اللاتينية، في محاولة لصياغة برنامج انتخابي أكثر شمولاً.
خلاصة
تعكس تحركات كامالا هاريس الحالية محاولة استراتيجية لإعادة التموضع داخل الحزب الديمقراطي عبر بوابة التيار التقدمي، في وقت تتزايد فيه أهمية القضايا الخارجية والحقوق المدنية في تشكيل المزاج الانتخابي الأميركي.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهوناً بقدرتها على تحويل اللقاءات السياسية إلى تغييرات ملموسة في الخطاب والسياسات، وإقناع قاعدة حزبية منقسمة بأنها تمثل خياراً موحداً وقادراً على الفوز في انتخابات 2028.










