أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت تعكس توجهاً سورياً لإقامة علاقات قائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مشدداً على أن لبنان اختار التفاوض لحماية حقوقه واستعادة أراضيه.
بيروت – المنشر_الاخباري
أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، الخميس، أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت تمثل مؤشراً مهماً على مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية السورية، معتبراً أنها بددت المخاوف التي كانت سائدة لدى بعض الأوساط اللبنانية بشأن احتمال وجود نية لدى الرئيس السوري أحمد الشرع للتدخل في الشؤون الداخلية للبنان.
وجاءت تصريحات عون خلال استقباله وفداً من الرابطة المارونية، حيث قال إن الزيارة تؤكد عدم صحة ما تم تداوله خلال الفترة الماضية بشأن وجود توجه سوري لإعادة التدخل في الملف اللبناني، موضحاً أن الهدف الأساسي من الزيارة يتمثل في إرساء علاقات طبيعية بين البلدين تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما.
وأضاف الرئيس اللبناني أن الوفد السوري شدد خلال اللقاءات التي عقدها في بيروت على أن التعاون بين البلدين سيكون حصراً عبر المؤسسات الرسمية والدستورية، وعلى أساس العلاقة بين دولة ودولة، بعيداً عن أي تعامل مع أطراف أو قوى سياسية داخل لبنان، وهو ما اعتبره مؤشراً إيجابياً على تغير في طبيعة العلاقات بين دمشق وبيروت بعد سنوات طويلة من التعقيدات السياسية والأمنية.
وتأتي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة اللبنانية في توقيت بالغ الحساسية، إذ تعد الأولى من نوعها منذ تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب أشار فيها إلى احتمال أن تتولى القوات السورية مستقبلاً دوراً في مواجهة حزب الله داخل الأراضي اللبنانية، وهي تصريحات أثارت آنذاك جدلاً واسعاً وتساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة في المنطقة.
وفي وقت سابق، أعلن الشيباني خلال زيارته إلى بيروت أن سوريا منفتحة على الحوار مع حزب الله إذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك، لكنه أكد في المقابل أن دمشق تعتبر الدولة اللبنانية الجهة الوحيدة التي تتعامل معها رسمياً، وأن أي تعاون مستقبلي سيكون مع المؤسسات الشرعية اللبنانية فقط، في رسالة فُهمت على أنها تؤكد تغييراً في نهج السياسة السورية تجاه لبنان.
وعلى صعيد آخر، تطرق الرئيس اللبناني إلى ملف المفاوضات مع إسرائيل، مؤكداً أن الاتفاق الإطاري الذي يجري العمل عليه لا يتعارض مع الثوابت الوطنية أو الحقوق اللبنانية، بل يهدف إلى استعادتها من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، مشيراً إلى أن الدولة اللبنانية اختارت طريق التفاوض باعتباره الخيار الأقل كلفة بعد سنوات من الحروب والخسائر البشرية والمادية.
وأوضح عون أن مفهوم السيادة لا يقتصر على رفض التفاوض، وإنما يشمل أيضاً احترام قرار الدولة عندما تختار الوسائل التي تراها مناسبة لحماية مصالحها الوطنية، مضيفاً أن اللجوء إلى المفاوضات لا يمثل تخلياً عن الحقوق، بل هو شكل من أشكال المواجهة السياسية والدبلوماسية التي يمكن أن تحقق النتائج دون إراقة المزيد من الدماء.
وقال إن لبنان تكبد خلال العقود الماضية أثماناً باهظة نتيجة الصراعات والحروب، الأمر الذي يجعل من الضروري اعتماد مقاربة مختلفة ترتكز على حماية مصالح الدولة واستعادة الحقوق عبر الوسائل الدبلوماسية، مؤكداً أن من يرفع شعار الدفاع عن السيادة ينبغي أن يحترم أيضاً قرار الدولة اللبنانية عندما تختار هذا المسار.
وأشار الرئيس اللبناني إلى أن نجاح هذه المقاربة يتطلب استمرار الدعم الدولي، ولا سيما من الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول الخليج، التي تلعب دوراً مهماً في دعم الاستقرار اللبناني وفي مساندة الجهود الرامية إلى تنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالحدود والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.
وأكد عون أن المرحلة الحالية تمثل فرصة أمام لبنان للخروج من دوامة الحروب والصراعات والوصايات الخارجية، معتبراً أن غالبية اللبنانيين، وخاصة سكان الجنوب الذين عانوا لسنوات من المواجهات العسكرية، يتطلعون إلى العيش في أمن واستقرار بعيداً عن النزاعات.
وشدد على أن الدولة اللبنانية لن تتنازل عن أي شبر من أراضيها، وأن جميع الخطوات التي تتخذها الحكومة تنطلق من هدف واحد يتمثل في حماية السيادة الوطنية وضمان الحقوق اللبنانية، داعياً إلى تقييم الأداء الرسمي بناءً على النتائج العملية وليس على المواقف السياسية المسبقة.
كما أثنى الرئيس اللبناني على الجهود التي بذلها الوفد اللبناني المدني والعسكري الذي شارك في المفاوضات التي استضافتها العاصمة الأميركية واشنطن، معتبراً أن هذه الجهود أسهمت في تثبيت الموقف اللبناني والدفاع عن مصالح البلاد في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
وتعكس زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت، إلى جانب تصريحات الرئيس اللبناني، مؤشرات على وجود رغبة متبادلة في إعادة تنظيم العلاقات بين البلدين وفق أسس جديدة تقوم على التعاون الرسمي واحترام السيادة، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة قد تفرض على دولها إعادة صياغة علاقاتها بما يتناسب مع المتغيرات الإقليمية والدولية.










