استقالة مسؤول حكومي تفتح الباب أمام مرحلة جديدة في القطاع وسط شكوك إسرائيلية حول نوايا الحركة
غزة – المنشر_الاخباري
أعلنت حركة حماس بدء أولى خطوات تفكيك الهيكل الحكومي الذي تديره في قطاع غزة، بعد استقالة رئيس لجنة الطوارئ التابعة لها، في خطوة قالت الحركة إنها تأتي تمهيدًا لتسليم إدارة الشؤون المدنية إلى لجنة تكنوقراطية فلسطينية جديدة.
ويأتي هذا التطور في ظل مفاوضات متعثرة حول مستقبل القطاع بعد الحرب، حيث تسعى أطراف دولية إلى تشكيل إدارة مدنية جديدة تكون قادرة على إدارة الخدمات وإطلاق عملية إعادة الإعمار، بينما تصر إسرائيل والجهات الداعمة للخطة على أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تتضمن إنهاء السيطرة العسكرية لحماس ونزع سلاحها.
ورغم أن إعلان الحركة اعتُبر من بعض الأطراف إشارة إلى استعدادها للتراجع عن إدارة القطاع بشكل مباشر، فإن مصادر إسرائيلية ودبلوماسية شككت في حقيقة الخطوة، معتبرة أنها قد تكون محاولة لإعادة ترتيب النفوذ بدلًا من التخلي عنه بالكامل.
حماس تعلن حل اللجنة الحكومية وتمهيد الطريق لإدارة تكنوقراطية
قالت حماس إن رئيس لجنة الطوارئ التي تشرف على متابعة العمل الحكومي قدم استقالته، باعتبارها خطوة أولى ضمن عملية حل “لجنة متابعة العمل الحكومي”، وهي المؤسسة التي لعبت دور الحكومة الفعلية في قطاع غزة خلال السنوات الماضية.
وأكدت الحركة أن الهدف من هذه الخطوة هو تسهيل دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG)، برئاسة علي شعث، ومنحها صلاحيات إدارة الملفات المدنية داخل القطاع.
وأوضحت حماس أن عملية الانتقال لن تعني انهيار المؤسسات الحكومية القائمة، مشيرة إلى أن الموظفين الفنيين والمتخصصين سيواصلون عملهم لضمان استمرار الخدمات الأساسية للسكان، خصوصًا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها القطاع.
وترى الحركة أن نقل الإدارة المدنية إلى لجنة تكنوقراطية يمكن أن يمثل صيغة توافقية تسمح بإعادة تشغيل المؤسسات بعيدًا عن التجاذبات السياسية، إلا أن خصومها يعتبرون أن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بمن يدير الخدمات، بل بمن يملك القرار الأمني والعسكري في غزة.
خلافات حادة حول السلاح تعرقل انتقال السلطة في القطاع
رغم إعلان حماس استعدادها لتغيير شكل الإدارة المدنية، فإن ملف السلاح لا يزال يمثل العقبة الأكبر أمام أي اتفاق نهائي.
وقالت مصادر دبلوماسية إن الحركة لم تقدم حتى الآن تنازلات كافية تسمح للجنة الجديدة بتولي مهامها بشكل كامل، مشيرة إلى أن حماس تراجعت عن بعض التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال المفاوضات السابقة، كما طرحت شروطًا جديدة.
ومن أبرز نقاط الخلاف رفض الحركة السماح بالوصول إلى الأسلحة الموجودة داخل الأنفاق ضمن خطة نزع السلاح، إضافة إلى اعتراضها على أن تكون جميع الأسلحة في قطاع غزة تحت السيطرة الحصرية للحكومة التكنوقراطية الجديدة.
وترى الأطراف الدولية التي تدعم الخطة أن وجود قوة مسلحة موازية للحكومة المدنية سيجعل أي عملية سياسية أو إعادة إعمار عرضة للانهيار، بينما تعتبر حماس أن التخلي الكامل عن السلاح يعني فقدان قدرتها على التأثير في مستقبل القطاع.
مجلس السلام يضع شرط “سلطة واحدة وسلاح واحد” لإنهاء الأزمة
في أعقاب إعلان حماس، أكد مجلس السلام أن أي انتقال سياسي في غزة يجب أن يقوم على مبدأ واضح يتمثل في وجود سلطة واحدة تمتلك القرار القانوني والأمني.
وقال المجلس إن المرحلة المقبلة لا يمكن أن تنجح إلا من خلال توحيد مؤسسات الحكم وإنهاء حالة تعدد القوى المسلحة داخل القطاع، مؤكدًا أن جميع الأسلحة يجب أن تكون تحت إشراف اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وشدد المجلس على أن تسريع عملية نقل الإدارة المدنية مرتبط بالتوصل إلى اتفاق حول البنود العالقة، وفي مقدمتها ملف نزع السلاح، وبدء خطوات إعادة الإعمار وانسحاب القوات الإسرائيلية وفق التفاهمات السياسية المطروحة.
إسرائيل تتهم حماس بمحاولة الالتفاف على الضغوط الدولية
في إسرائيل، قوبلت خطوة حماس بتشكيك واسع، حيث اعتبر مسؤولون إسرائيليون أن الإعلان لا يمثل تحولًا حقيقيًا، بل محاولة لتخفيف الضغط الدولي مع الحفاظ على النفوذ العسكري للحركة.
وقال مسؤول إسرائيلي إن حماس اعتادت استخدام التأخير والمناورات السياسية للحفاظ على وجودها، مضيفًا أن الحركة تحاول تقديم تنازلات شكلية بينما ترفض التخلي عن قوتها المسلحة.
وترى الحكومة الإسرائيلية أن أي إدارة مدنية جديدة في غزة لن تكون قادرة على العمل بحرية إذا بقيت حماس محتفظة بقدراتها العسكرية، معتبرة أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة سيعيد إنتاج الظروف التي أدت إلى اندلاع الحرب.
جدعون ساعر يحذر من تكرار تجربة حزب الله في غزة
هاجم وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إعلان حماس، وقال إن الحركة تسعى إلى إنشاء نموذج مشابه لوضع حزب الله في لبنان.
وأوضح ساعر أن السيناريو الذي تخشاه إسرائيل هو تشكيل حكومة مدنية تهتم بالخدمات اليومية مثل إدارة البلديات وجمع القمامة، بينما تبقى القرارات الأمنية والعسكرية بيد حماس.
وأضاف أن أي حكومة مدنية ستجد نفسها مضطرة للعمل وفق شروط الحركة طالما بقيت الأخيرة صاحبة القوة المسلحة، وهو ما سيمنحها القدرة على مواصلة السيطرة على القطاع من خلف الستار.
القاهرة تستعد لاستضافة حوار فلسطيني بشأن مستقبل غزة
وسط هذه التطورات، تتحرك مصر لعقد اجتماعات جديدة بين الفصائل الفلسطينية خلال الفترة المقبلة، بمشاركة حركة حماس وعدد من القوى الفلسطينية، بهدف بحث آليات تنفيذ الترتيبات المتعلقة بإدارة قطاع غزة.
وتأتي التحركات المصرية في إطار جهود أوسع للتوصل إلى صيغة توافقية بشأن مستقبل القطاع، خاصة مع وجود مساعٍ دولية لتشكيل إدارة انتقالية تمهد لإعادة الإعمار.
كما تشير التقارير إلى احتمال مشاركة مسؤولين أميركيين وشخصيات دولية مرتبطة بمجلس السلام في هذه المناقشات، بهدف تقريب وجهات النظر حول القضايا الخلافية.
خطة دولية لإظهار مستقبل مختلف لسكان غزة
في محاولة لدعم المسار السياسي، تدرس أطراف دولية إنشاء مناطق سكنية مؤقتة داخل غزة باستخدام وحدات جاهزة، بهدف توفير مأوى للسكان وإظهار أن هناك مسارًا نحو تحسين الأوضاع الإنسانية.
ويقول داعمو الفكرة إن الهدف ليس تقديم مكافأة لحماس، بل خلق واقع جديد يشعر فيه سكان القطاع بوجود بديل عن استمرار الصراع، مع تقليص قدرة الحركة على استغلال الأوضاع الإنسانية لتعزيز نفوذها.
لكن نجاح هذه الخطط يبقى مرتبطًا بمدى القدرة على التوصل إلى اتفاق سياسي شامل، خاصة فيما يتعلق بمستقبل السلاح والجهة التي ستتولى مسؤولية الأمن في القطاع.
مستقبل غزة بين انتقال السلطة وصراع النفوذ
تكشف خطوة حماس الأخيرة عن مرحلة جديدة من الصراع حول مستقبل غزة، حيث تتقاطع مصالح أطراف متعددة بين من يريد إنهاء حكم الحركة، ومن يسعى إلى الحفاظ على دور فلسطيني في إدارة القطاع، ومن يركز على إعادة الإعمار والاستقرار الإنساني.
وبينما تقدم حماس الخطوة باعتبارها انتقالًا نحو إدارة مدنية جديدة، ترى إسرائيل وحلفاؤها أن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى استعداد الحركة للتخلي عن السيطرة العسكرية.
ويبقى مستقبل غزة مرتبطًا بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات حول السلاح والسلطة، وتحويل الاتفاقات السياسية من مجرد تصريحات إلى واقع قادر على تغيير شكل الحكم في القطاع.










