بورتسودان- المنشر_الاخباري
لم تعد الحرب الدائرة في السودان مجرد مواجهة داخلية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل باتت جزءاً من صراع أوسع تتقاطع فيه حسابات القوى الإقليمية والدولية. فمع استمرار القتال وانهيار مؤسسات الدولة، برز اسم إيران كأحد الأطراف التي تسعى إلى توسيع نفوذها في بلد يتمتع بموقع استراتيجي بالغ الأهمية على ساحل البحر الأحمر.
وخلال الأشهر الماضية، تصاعد الجدل حول طبيعة العلاقة بين الخرطوم وطهران، بعدما تحولت الاتصالات السياسية إلى تعاون عسكري وتقني، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، وسط اتهامات بأن السودان أصبح جزءاً من شبكة إقليمية مرتبطة بحلفاء إيران، من اليمن إلى لبنان والعراق.
في المقابل، ترى السلطات السودانية أن التقارب مع إيران يأتي في إطار البحث عن دعم عسكري وسياسي في ظل الحرب، بينما يحذر خصوم هذا التوجه من أن استمرار الاعتماد على الدعم الخارجي قد يدفع السودان إلى التحول من دولة تعاني أزمة داخلية إلى ساحة نفوذ جديدة في صراعات الشرق الأوسط.
من القطيعة إلى التحالف.. لماذا عادت الخرطوم إلى طهران؟
شهدت العلاقات السودانية الإيرانية تحولاً كبيراً خلال الفترة الأخيرة بعد سنوات من التوتر والابتعاد. ففي عهد الرئيس السوداني السابق عمر البشير، كانت الخرطوم وطهران تمتلكان علاقات وثيقة، قبل أن تتجه السودان عام 2016 إلى قطع العلاقات مع إيران والانضمام إلى المحور السعودي الإماراتي في ذلك الوقت.
لكن اندلاع الحرب الداخلية عام 2023 غيّر الحسابات بشكل جذري. فقد وجد الجيش السوداني نفسه في مواجهة حرب طويلة ومعقدة، وسط تراجع الدعم الدولي وصعوبة الحصول على احتياجات عسكرية متقدمة من الأسواق التقليدية.
في هذا السياق، عادت إيران لتقدم نفسها كشريك قادر على توفير دعم عسكري وتقني، خاصة في مجال الطائرات دون طيار، وهي أسلحة أثبتت أهميتها الكبيرة في الحروب الحديثة، كما ظهر في أوكرانيا والشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن التقارب لم يكن مجرد صفقة عسكرية، بل يحمل أبعاداً استراتيجية، إذ تمنح السودان إيران موقعاً قريباً من أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بينما تحصل الخرطوم على دعم يساعدها في استمرار عملياتها العسكرية.
المسيّرات الإيرانية.. السلاح الذي غيّر طبيعة الحرب في السودان
أحد أبرز مظاهر التقارب بين الخرطوم وطهران تمثل في ملف الطائرات المسيّرة، التي أصبحت عنصراً رئيسياً في الحرب السودانية.
فخلال السنوات الأخيرة، طورت إيران برنامجاً واسعاً للطائرات دون طيار، واستخدمت هذه التكنولوجيا عبر حلفائها في المنطقة. وقد أثبتت هذه الأسلحة قدرتها على تنفيذ عمليات هجومية واستطلاعية بتكلفة أقل مقارنة بالطائرات الحربية التقليدية.
في السودان، منحت المسيّرات الجيش قدرة أكبر على استهداف مواقع خصومه، ومراقبة خطوط الإمداد، وتعويض النقص في بعض القدرات الجوية.
لكن دخول هذا النوع من السلاح إلى الصراع السوداني أثار مخاوف دولية من أن تتحول البلاد إلى مختبر مفتوح لتجربة تقنيات عسكرية جديدة، أو إلى قناة لنقل الخبرات والسلاح إلى ساحات أخرى في المنطقة.
السودان والبحر الأحمر.. لماذا يهم الموقع الجغرافي طهران؟
تكمن أهمية السودان بالنسبة لإيران في موقعه الجغرافي الفريد. فالسواحل السودانية تمتد على البحر الأحمر، بالقرب من طرق التجارة العالمية وخطوط نقل الطاقة التي تربط آسيا بأوروبا.
ويمثل البحر الأحمر اليوم أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، خصوصاً بعد تصاعد هجمات جماعة الحوثي على السفن التجارية في المنطقة، والتي أدت إلى اضطرابات واسعة في حركة الملاحة الدولية.
ويرى محللون أن وجود علاقات قوية بين الخرطوم وطهران يمنح إيران فرصة لتعزيز حضورها بالقرب من هذه المنطقة الحيوية، خاصة أن شبكة نفوذها الإقليمية تعتمد تاريخياً على بناء علاقات مع قوى مسلحة أو حكومات حليفة في مناطق استراتيجية.
هل أصبح السودان حلقة جديدة في محور إيران الإقليمي؟
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة على بناء شبكة نفوذ متعددة المستويات، تشمل جماعات مسلحة وحلفاء سياسيين وشراكات أمنية.
ويمتد هذا النفوذ من حزب الله في لبنان، إلى الحوثيين في اليمن، والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق وسوريا.
ويرى خبراء أن أهمية السودان بالنسبة لطهران تختلف عن ساحات أخرى، لأنه ليس مجرد جماعة مسلحة أو فصيل محلي، بل دولة ذات مساحة جغرافية كبيرة وموقع استراتيجي على البحر الأحمر.
كما أن وجود تيارات إسلامية مرتبطة بالنظام السابق داخل السودان يضيف بعداً أيديولوجياً للعلاقة، حيث يرى بعض الباحثين أن هذه القوى يمكن أن تشكل بيئة أكثر تقبلاً للتعاون مع طهران مقارنة بالقوى المدنية التي تطالب بإبعاد السودان عن محاور الصراع الإقليمي.
دور الإسلاميين.. عودة النفوذ عبر بوابة الحرب
منذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019، بقي ملف نفوذ الحركة الإسلامية في السودان محوراً رئيسياً للجدل السياسي.
وخلال الحرب الحالية، اتهمت قوى مدنية وخصوم الجيش عناصر مرتبطة بالنظام السابق بالسعي إلى استعادة نفوذها عبر دعم المؤسسة العسكرية، بينما تنفي تلك القوى هذه الاتهامات وتؤكد أنها تدعم الجيش باعتباره مؤسسة الدولة الرسمية.
ويرى محللون أن الحرب خلقت فراغاً سياسياً سمح بعودة بعض الشبكات القديمة إلى المشهد، وأن هذا الأمر قد يؤثر على توجهات السودان الخارجية وعلاقاته الإقليمية.
التنسيق مع الحوثيين.. مخاوف من جبهة بحر أحمر موحدة
مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، تزداد المخاوف من إمكانية ظهور تنسيق أوسع بين الأطراف المرتبطة بإيران في المنطقة.
فالتحالفات غير الرسمية بين إيران وحلفائها تعتمد غالباً على تبادل الخبرات والسلاح والدعم اللوجستي، وهو ما يجعل أي تقارب بين السودان وطهران محل مراقبة من الدول المطلة على البحر الأحمر.
وتخشى بعض الحكومات أن يؤدي استمرار الحرب في السودان إلى تحويل الساحل السوداني إلى نقطة ضغط جديدة على الملاحة الدولية، خاصة إذا تطورت العلاقات العسكرية مع إيران إلى مستوى أكبر.
موقف القوى الإقليمية والدولية
ينظر عدد من الدول العربية والغربية بقلق إلى توسع الدور الإيراني في السودان، خصوصاً في ظل هشاشة مؤسسات الدولة واستمرار القتال.
وتخشى هذه الأطراف من أن يؤدي استمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة إلى إطالة أمد الحرب بدلاً من دفعها نحو التسوية السياسية.
كما أن تحول السودان إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية قد يعقد جهود إنهاء الأزمة الإنسانية، التي تعد واحدة من أكبر أزمات النزوح والجوع في العالم حالياً.
هل يمكن إنقاذ السودان من التحول إلى دولة نفوذ؟
يرى مراقبون أن الحل الأساسي لمنع السودان من الانزلاق إلى نموذج الدول التي أصبحت ساحات صراع إقليمي، يكمن في إنهاء الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس مدني.
فكلما طال أمد الصراع، أصبحت القوى الخارجية أكثر قدرة على توسيع نفوذها، بينما تتراجع قدرة السودانيين على التحكم في مستقبل بلادهم.
وفي النهاية، فإن معركة السودان لا تتعلق فقط بمن يسيطر على الخرطوم أو ينتصر عسكرياً، بل تتعلق بمستقبل الدولة نفسها: هل ستتمكن من استعادة قرارها الوطني، أم ستصبح حلقة جديدة في شبكة الصراعات الإقليمية الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر؟










