دراسة جديدة تحذر من أن الاكتفاء باتفاقات وقف إطلاق النار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع سيعيد إنتاج الحرب، وتدعو إلى إصلاحات سياسية وأمنية شاملة لمنع تفكك الدولة.
واشنطن – المنشر_الاخباري
حذر تقرير تحليلي نشرته مجلة “سمول وورز جورنال” الأمريكية من أن السودان يواجه خطر الانزلاق إلى دورة جديدة من الحروب والصراعات، حتى في حال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مؤكداً أن “بناء السلام” وليس “صناعة السلام” وحدها يمثل الطريق الوحيد القادر على إنقاذ البلاد من الانهيار.
وقال الباحث السوداني فوزي أحمد، المتخصص في قضايا الحوكمة وبناء السلام، إن المجتمع الدولي يركز بشكل مفرط على التوصل إلى هدنة أو اتفاق سياسي بين الأطراف المتحاربة، في حين أن جذور الأزمة السودانية أعمق بكثير من مجرد صراع عسكري بين قوتين متنافستين.
وأشار التقرير إلى أن السودان، منذ استقلاله، عاش حلقات متكررة من الحروب والاتفاقيات السياسية المؤقتة التي فشلت في معالجة الأسباب الحقيقية للصراع، مثل التهميش السياسي والاقتصادي، وضعف مؤسسات الدولة، وسيطرة النخب العسكرية على الحياة السياسية.
واعتبر أن اتفاق السلام الشامل عام 2005 أنهى حرباً أهلية طويلة، لكنه لم ينجح في تفكيك البنية الأمنية والسياسية التي قادت لاحقاً إلى اندلاع الحرب الحالية بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023.
وأكد التقرير أن الأزمة السودانية تحولت إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، مع نزوح ملايين الأشخاص وانهيار المؤسسات الحكومية وتدمير البنية التحتية الأساسية.
ونقل عن تقديرات لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” أن نحو 90 بالمئة من البنية التحتية الإعلامية في السودان دمرت، بينما اضطر نحو ألف صحفي إلى النزوح منذ اندلاع الحرب.
كما أشار التقرير إلى تحذيرات بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة من أن العمليات التي نفذتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر تحمل “سمات الإبادة الجماعية”، في ظل اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق ضد المجتمعات غير العربية في إقليم دارفور.
ورأى الباحث أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار سيؤدي فقط إلى خفض مستوى العنف بصورة مؤقتة إذا لم يترافق مع استراتيجية أوسع لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
ودعا التقرير إلى تبني خطة شاملة لبناء السلام تقوم على خمسة محاور رئيسية، تبدأ بالمصالحة المجتمعية وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب والانقسامات الإثنية.
وأكد أن منظمات المجتمع المدني السودانية بدأت بالفعل في إطلاق مبادرات للحوار ومكافحة خطاب الكراهية، خصوصاً في دارفور، إلا أن هذه الجهود تحتاج إلى دعم دولي واسع ومستدام.
كما شدد التقرير على ضرورة بناء نظام سياسي أكثر شمولاً يضم لجان المقاومة والنساء والشباب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، بدلاً من الاكتفاء باتفاقات تقتصر على قادة الجيش والدعم السريع.
وأوضح أن المناطق المهمشة مثل دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة وشرق السودان يجب أن تحصل على تمثيل سياسي عادل وتوزيع أكثر إنصافاً للموارد، محذراً من أن تجاهل هذه المطالب سيعيد إنتاج أسباب الحرب.
وفي الجانب الأمني، دعا التقرير إلى تنفيذ إصلاح شامل للقطاع الأمني يتضمن برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة دمج المقاتلين، إضافة إلى إعادة هيكلة المؤسسات العسكرية ووضعها تحت سلطة مدنية.
وأشار إلى أن استمرار وجود تشكيلات عسكرية متعددة ومراكز قوة اقتصادية مرتبطة بالحرب يجعل أي عملية انتقال سياسي عرضة للفشل.
كما اعتبر أن العدالة الانتقالية تمثل ركناً أساسياً في أي تسوية مستقبلية، خاصة في ظل الاتهامات الموجهة إلى أطراف الصراع بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وعمليات تطهير عرقي.
ودعا إلى إنشاء آليات قضائية مختلطة تضم قضاة سودانيين ودوليين لضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.
وفي الجانب الاقتصادي، حذر التقرير من أن اقتصاد الحرب، القائم على السيطرة على مناجم الذهب وشبكات التهريب والموارد الطبيعية، أصبح أحد أهم العوامل التي تطيل أمد الصراع.
وأكد أن إعادة الإعمار وخلق فرص العمل للشباب وإصلاح الاقتصاد يجب أن تكون جزءاً من عملية السلام، وليس مجرد مرحلة لاحقة بعد انتهاء الحرب.
كما انتقد التقرير تراجع القدرات الدولية في مجال بناء السلام، مشيراً إلى انخفاض التمويل المخصص للتنمية وتراجع أدوار المؤسسات الدولية، وهو ما جعل الاستجابة الدولية للأزمة السودانية أكثر تركيزاً على الجوانب العسكرية والإنسانية وأقل اهتماماً بالإصلاحات الهيكلية.
وفي ختام الدراسة، اعتبر الباحث أن دعم بناء السلام في السودان ليس مجرد واجب إنساني، بل يمثل أيضاً مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة والمجتمع الدولي، نظراً لأهمية السودان الجيوسياسية وموقعه المطل على البحر الأحمر وتأثير استقراره على أمن المنطقة بأكملها.
وأكد أن الدرس الأبرز من تاريخ السودان يتمثل في أن اتفاقيات السلام قد تنهي المعارك مؤقتاً، لكن بناء السلام وحده هو القادر على إنهاء دورة الحرب المستمرة منذ عقود.










