عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ملف سد النهضة تكشف أن الأزمة لم تعد مجرد نزاع على المياه، بل تحولت إلى منافسة جيوسياسية معقدة تمتد من منابع النيل إلى موانئ البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وسط سباق إقليمي ودولي لإعادة رسم موازين القوة في القرن الأفريقي.
القاهرة- المنشر_الاخباري
لم يكن حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إعادة إحياء الوساطة الأمريكية في أزمة سد النهضة الإثيوبي مجرد إشارة إلى نزاع قديم بين القاهرة وأديس أبابا، بل بدا اعترافاً متأخراً بأن أحد أكثر الملفات تعقيداً في أفريقيا خرج من إطار الخلاف حول المياه ودخل مرحلة جديدة عنوانها الصراع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وخلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا الشهر الماضي، أكد ترامب أن الولايات المتحدة ستعطي قضية سد النهضة “أولوية قصوى”، معتبراً أن مياه النيل “أصبحت أقل مما ينبغي”. إلا أن هذه التصريحات تأتي في لحظة مختلفة تماماً عن السنوات الماضية، إذ باتت الأزمة تتجاوز قضية تقاسم المياه لتتحول إلى مواجهة جيوسياسية أوسع.
سد النهضة.. بداية الصراع وليس نهايته
منذ انطلاق مشروع سد النهضة عام 2011، اعتبرت القاهرة أن السد يمثل تهديداً وجودياً لأمنها المائي، نظراً لاعتمادها على نهر النيل في أكثر من 97 بالمئة من احتياجاتها المائية.
وعلى مدار أكثر من عقد، سعت مصر إلى التوصل لاتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات ملء وتشغيل السد، خصوصاً خلال فترات الجفاف، إلا أن المفاوضات المتكررة انتهت دون نتائج حاسمة.
وبينما ترى إثيوبيا أن السد مشروع تنموي ضروري لتوفير الكهرباء وتحفيز الاقتصاد، تنظر مصر إلى المشروع باعتباره أداة تمنح أديس أبابا نفوذاً غير مسبوق على تدفقات النيل الأزرق الذي يوفر نحو 60 بالمئة من مياه النهر.
ومع دخول السد مرحلة التشغيل الكامل في سبتمبر 2025، بدا أن إثيوبيا انتقلت إلى مرحلة جديدة من طموحاتها الاستراتيجية.
البحر الأحمر.. الجبهة الجديدة
يرى مراقبون أن الهدف الإثيوبي التالي يتمثل في الحصول على منفذ دائم على البحر الأحمر، وهو ما تعتبره القاهرة تطوراً بالغ الخطورة.
فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993، تسعى منذ سنوات لاستعادة موطئ قدم على السواحل المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.
وتعتقد مصر أن نجاح أديس أبابا في تحقيق هذا الهدف سيمنحها أدوات ضغط إضافية على المصالح المصرية، ليس فقط عبر النيل، وإنما أيضاً عبر الممرات البحرية المرتبطة بقناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي المصري.
تحالفات جديدة في القرن الأفريقي
في مواجهة التحركات الإثيوبية، عملت القاهرة على بناء شبكة من التحالفات الإقليمية شملت إريتريا والصومال، وهما دولتان تربطهما خلافات متزايدة مع إثيوبيا.
كما عززت مصر حضورها السياسي والعسكري في منطقة القرن الأفريقي عبر اتفاقيات تعاون ومشروعات مرتبطة بالموانئ والبنية التحتية، في محاولة لتقليص خيارات أديس أبابا في الوصول إلى البحر الأحمر.
وفي المقابل، اتجهت إثيوبيا إلى تعزيز علاقاتها مع إقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، الذي أصبح محوراً لتجاذبات إقليمية ودولية متصاعدة.
صراع متعدد الأطراف
ولم يعد التنافس المصري الإثيوبي محصوراً بين البلدين فقط، بل تحول إلى ساحة تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية.
فإسرائيل أبدت اهتماماً متزايداً بمنطقة البحر الأحمر وأرض الصومال، فيما برزت الإمارات كفاعل رئيسي في الموانئ الاستراتيجية بالمنطقة.
كما يضيف الحضور الإيراني المتنامي في السودان، عبر دعمه للجيش السوداني خلال الحرب الأهلية، طبقة جديدة من التعقيد على المشهد الإقليمي.
وتشير هذه التطورات إلى أن البحر الأحمر بات مركزاً لصراع نفوذ يتجاوز بكثير قضية سد النهضة، ويشمل أمن الملاحة الدولية والتنافس على الممرات البحرية الاستراتيجية.
هل يستطيع ترامب حل الأزمة؟
يرى خبراء أن أي محاولة أمريكية جديدة لإحياء مفاوضات سد النهضة قد تصطدم بحقيقة أن جوهر الأزمة تغير بشكل جذري.
فبينما كانت الوساطة السابقة تركز على إدارة مياه النيل، أصبحت الأزمة اليوم مرتبطة بمعادلات أمنية وعسكرية واقتصادية أكثر تعقيداً.
ويحذر محللون من أن التوصل إلى اتفاق حول السد، رغم أهميته، لن يكون كافياً لإنهاء التوتر بين القاهرة وأديس أبابا ما لم يترافق مع معالجة أوسع للتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
مستقبل الصراع
تؤكد التطورات الأخيرة أن المنطقة تشهد إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى.
فإثيوبيا تنظر إلى نفسها كقوة إقليمية صاعدة تسعى إلى توسيع نفوذها البحري، بينما تعتبر مصر أن أي تغيير في معادلات البحر الأحمر يمس مباشرة أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
وبين هذين التصورين، تبدو عودة واشنطن إلى ملف سد النهضة محاولة لإعادة الإمساك بخيوط أزمة لم تعد مجرد نزاع مائي، بل أصبحت جزءاً من معركة جيوسياسية كبرى على مستقبل القرن الأفريقي والبحر الأحمر.










