بعد سنوات من وصول الجيوش إلى السلطة بحجة محاربة المتطرفين.. مالي وبوركينا فاسو والنيجر تواجه تصاعداً قياسياً في الهجمات المسلحة وقمعاً متزايداً للمعارضين
أديس أبابا- المنشر_الاخباري
لم تكن الانقلابات العسكرية التي اجتاحت منطقة الساحل الأفريقي مجرد تغيير سياسي في أنظمة الحكم، بل تحولت إلى اختبار أمني كبير تواجه خلاله مالي وبوركينا فاسو والنيجر واحدة من أعنف موجات التمرد المسلح في تاريخها الحديث، في وقت تتهم فيه السلطات العسكرية بأنها منشغلة بإغلاق المجال السياسي أكثر من معالجة أسباب الانفلات الأمني.
فبعد سنوات من وصول المجالس العسكرية إلى الحكم تحت شعار “استعادة الأمن وإنقاذ الدولة”، تشير المعطيات إلى أن الجماعات المسلحة واصلت تمددها، بل أصبحت أكثر قدرة على تنفيذ هجمات منسقة تهدد المدن الكبرى والطرق التجارية والمنشآت الحيوية.
وبحسب تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية لأفريقيا، أصبحت منطقة الساحل منذ انقلاب مالي عام 2020 أخطر بؤرة لنشاط الجماعات المسلحة في القارة، حيث سجلت المنطقة خلال العام الماضي وحده نحو 9800 وفاة مرتبطة بالجماعات الإسلامية المسلحة، أي ما يقارب نصف ضحايا هذا النوع من العنف في أفريقيا.
وعود الانقلابات بالأمن تتحطم أمام تصاعد الإرهاب
استندت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى خطاب واحد تقريباً: الحكومات المدنية فشلت في حماية المواطنين من الجماعات المتطرفة، وأن الجيش هو القادر على إعادة الاستقرار.
لكن الواقع على الأرض جاء مختلفاً، إذ ارتفعت وتيرة الهجمات المسلحة بشكل كبير، وأصبحت الجماعات المتطرفة تسيطر على مناطق واسعة وتتحرك بحرية أكبر عبر الحدود.
ويشير التقرير إلى أن عدد القتلى الناتجين عن هجمات الجماعات المسلحة في الساحل أصبح أعلى بنحو سبع مرات مقارنة بعام 2019، فيما وقعت غالبية الضحايا في مالي بعد انقلاب 2020.
ولم تعد المواجهة محصورة في المناطق الصحراوية النائية، حيث بدأت الجماعات المسلحة في الاقتراب من المراكز السكانية الكبرى، وتهديد الممرات الاقتصادية ومصادر الطاقة والاتصالات.
جبهة جديدة: قمع الأصوات بدلاً من إصلاح الاستراتيجية الأمنية
مع تصاعد الهجمات، كان المتوقع أن تبدأ السلطات العسكرية مراجعة خططها الأمنية، وتبحث عن أسباب الإخفاقات في الاستخبارات والتنسيق العسكري وحماية الحدود.
لكن التقرير يؤكد أن الرد الأساسي كان سياسياً، عبر تشديد القبضة على المعارضة والصحافة والمجتمع المدني.
ففي مالي، أعقبت سلسلة هجمات واسعة حملات اعتقال طالت سياسيين وصحفيين ونشطاء وضباطاً عسكريين، في وقت لم تقدم فيه السلطات أدلة واضحة على ارتباط معظم المعتقلين بالجماعات المسلحة.
ويرى المركز أن هذه الإجراءات تعكس تحول الأولوية من مواجهة التهديد الأمني إلى حماية بقاء السلطة العسكرية.
مالي.. المسلحون يوسعون نفوذهم والجيش يلاحق المعارضين
شهدت مالي خلال الأشهر الأخيرة عمليات مسلحة معقدة امتدت من العاصمة باماكو إلى مناطق غاو وموبتي وكيدال، ما كشف قدرة الجماعات المسلحة على التنسيق والتحرك في أكثر من جبهة.
وتعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM)، المرتبطة بتنظيم القاعدة، أبرز الجماعات التي استفادت من ضعف التنسيق الإقليمي، حيث وسعت نشاطها إلى مناطق جديدة جنوباً وغرباً.
لكن بدلاً من التركيز على تطوير القدرات الاستخباراتية وتعزيز التعاون مع الدول المجاورة، اتجهت السلطات إلى التضييق على الخصوم السياسيين وإغلاق المجال أمام الانتقادات.
بوركينا فاسو.. الدولة الأكثر تضرراً من موجة العنف
تعتبر بوركينا فاسو حالياً مركز العاصفة الأمنية في الساحل، إذ تستحوذ على نحو نصف الوفيات الناتجة عن نشاط الجماعات المسلحة في المنطقة.
ورغم اعتماد الحكومة العسكرية على حملات عسكرية واسعة وتشكيل قوات مدنية مساندة للجيش، فإن المسلحين لا يزالون يفرضون نفوذهم على مساحات واسعة، ويحاصرون عشرات المدن والقرى.
وكان الهجوم على مدينة تيتاو مثالاً واضحاً على تطور قدرات الجماعات المسلحة، بعدما تمكنت من السيطرة على موقع عسكري ونهب أسلحة وقطع الاتصالات وعزل المنطقة.
في المقابل، توسعت حملة السلطات ضد الصحفيين والقضاة ورجال الدين ومنظمات المجتمع المدني.
واختفى الصحفي الاستقصائي سيرج أولون بعد توقيفه، بينما تعرض صحفيون آخرون للاعتقال أو التجنيد الإجباري.
كما أقدمت السلطات على حل أحزاب سياسية ومنظمات مدنية، في خطوة أثارت مخاوف من أن يؤدي غياب الرقابة إلى زيادة ضعف مؤسسات الدولة.
النيجر.. الإرهاب يقترب من العاصمة
منذ انقلاب يوليو 2023، شهدت النيجر ارتفاعاً حاداً في الهجمات المسلحة، خصوصاً في المناطق الغربية القريبة من الحدود مع مالي وبوركينا فاسو.
وتواجه البلاد تهديدات مزدوجة من جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى.
وكانت الهجمات التي استهدفت مطار نيامي الدولي مؤشراً على تغير طبيعة التهديد، بعدما تمكن المسلحون من ضرب منشآت استراتيجية رغم الإجراءات الأمنية المشددة.
وفي الوقت نفسه، واصلت السلطات العسكرية حملتها ضد شخصيات معارضة، حيث ألغت جنسيات بعض الناشطين، وفرضت قيوداً على مسؤولين سابقين.
ولا يزال الرئيس السابق محمد بازوم قيد الاحتجاز منذ الإطاحة به.
أزمة الثقة تهدد المعركة ضد الجماعات المسلحة
يرى خبراء الأمن أن مواجهة التمرد المسلح لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل تحتاج إلى تعاون السكان المحليين، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتوفير خدمات أساسية تمنع الجماعات المتطرفة من استغلال الفقر والتهميش.
لكن التضييق على الأصوات المستقلة، وفق التقرير، يحرم الحكومات من معلومات مهمة حول أسباب انتشار الجماعات المسلحة، ويمنع ظهور حلول سياسية وأمنية أكثر فاعلية.
الساحل أمام مفترق طرق خطير
مع استمرار توسع الجماعات المسلحة وتراجع قدرة الحكومات على فرض السيطرة، تواجه منطقة الساحل خطر التحول إلى بؤرة إقليمية مفتوحة للصراع.
ويؤكد التقرير أن الحل يتطلب أكثر من العمليات العسكرية، بل يحتاج إلى إعادة بناء التحالفات الأمنية، وتبادل المعلومات بين الدول، وإشراك القوى السياسية والمجتمعية في صياغة استراتيجية طويلة الأمد.
فالمعركة في الساحل لم تعد فقط بين الجيوش والجماعات المسلحة، بل أصبحت أيضاً معركة حول مستقبل الدولة نفسها، وقدرتها على تحقيق الأمن دون التضحية بالحريات والاستقرار السياسي.










