تعيين سيرغي كورتسكي رئيسًا للوزراء لم ينهِ أزمة السلطة في أوكرانيا، إذ فجّر إبعاد وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف موجة غضب شعبي وخلافات حادة بين الرئاسة والجيش والبرلمان في لحظة حرجة من الحرب مع روسيا
كييف – المنشر_الاخباري
دخلت أوكرانيا مرحلة سياسية جديدة مع تشكيل حكومة رئيس الوزراء الجديد سيرغي كورتسكي، لكن التغيير الوزاري الذي روجت له كييف باعتباره خطوة لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة تحوّل إلى واحدة من أكبر أزمات الثقة داخل القيادة الأوكرانية منذ اندلاع الحرب.
وصوّت البرلمان الأوكراني “الرادا” لصالح تعيين كورتسكي رئيسًا جديدًا للحكومة، قبل أن يوافق لاحقًا على تشكيلته الوزارية، في خطوة تأتي بينما تواجه البلاد ضغوطًا عسكرية واقتصادية متزايدة، واستعدادات صعبة لفصل الشتاء في ظل استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية.
ويحمل كورتسكي، البالغ من العمر 48 عامًا، خلفية اقتصادية وتقنية أكثر من كونها سياسية، إذ كان يشغل منصب رئيس شركة “نفتوغاز” الحكومية للطاقة، كما تولى سابقًا إدارة شركة “أوكرنافتا”، ما دفع الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى اختياره باعتباره شخصية قادرة على إدارة ملفات الطاقة والاقتصاد خلال الحرب.
لكن ولادة الحكومة الجديدة تزامنت مع اضطرابات داخلية غير مسبوقة، كان سببها الرئيسي إبعاد وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف، البالغ من العمر 35 عامًا، والذي اكتسب شعبية واسعة بسبب دوره في تطوير القدرات الرقمية واستخدام الطائرات المسيّرة في الحرب ضد روسيا.
وأثارت إقالة فيدوروف احتجاجات في عدة مدن أوكرانية، بينها كييف وخاركيف ولفيف ودنيبرو وأوديسا، حيث طالب آلاف المتظاهرين بإعادته إلى منصبه، معتبرين أن القرار يمثل تراجعًا عن الإصلاحات العسكرية الحديثة لصالح إعادة نفوذ المؤسسة التقليدية.
ولم تتوقف الأزمة عند الشارع، إذ أعلن مسؤول عسكري رفيع في القوات الجوية استقالته احتجاجًا على القرار، بينما تصاعدت الانتقادات داخل الأوساط السياسية بشأن طريقة إدارة القيادة العليا للجيش والحكومة.
وكان فيدوروف قد وجه انتقادات مباشرة إلى قيادة الأركان، وعلى رأسها القائد العام للجيش الأوكراني أولكسندر سيرسكي، متهمًا المؤسسة العسكرية بعرقلة الإصلاحات وتأخير التحول نحو أساليب الحرب الحديثة القائمة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة.
وقال فيدوروف إن بعض المبادرات الجديدة جرى تعطيلها بسبب مقاومة داخلية، مشيرًا إلى أن الجيش يحتاج إلى تغيير طريقة اتخاذ القرار والاعتماد على البيانات بدلًا من الولاءات الشخصية.
من جانبه، حاول سيرسكي تهدئة الأزمة، إذ أشاد بعمل الوزير المقال، لكنه لم يدخل في مواجهة مباشرة مع اتهاماته، مؤكدًا أن الهدف الأساسي هو الحفاظ على وحدة الصف في مواجهة روسيا.
أما زيلينسكي فأقر بوجود خلافات داخلية، وقال إن وزارة الدفاع والقيادة العسكرية لم تتمكنا من حل الخلافات بينهما، ما دفعه إلى التدخل، مؤكدًا أن البلاد بحاجة إلى وحدة بين المؤسسات السياسية والعسكرية خلال الحرب.
وتكشف الأزمة عن تغير مهم في المشهد السياسي الأوكراني، إذ أظهر البرلمان قدرة أكبر على التأثير في قرارات الرئاسة مقارنة بالسنوات الأولى للحرب. واضطر زيلينسكي، وفق تقارير إعلامية، إلى التراجع عن بعض خياراته بعد عدم حصول بعض المرشحين على الدعم الكافي داخل البرلمان.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه حكومة كييف تحديات ضخمة، تشمل استمرار الحرب، وتأمين الإمدادات العسكرية، وإعادة بناء الاقتصاد، والحفاظ على الدعم الغربي، إضافة إلى الاستعداد لاحتمال تصعيد روسي جديد خلال الأشهر المقبلة.
ويضع خروج فيدوروف من وزارة الدفاع اختبارًا صعبًا أمام القيادة الأوكرانية، إذ يرى مؤيدوه أن إبعاده قد يضر بعملية تحديث الجيش، بينما يعتبر آخرون أن إعادة ترتيب المؤسسة الدفاعية ضرورية لمعالجة مشكلات الإدارة والتنسيق بين المدنيين والعسكريين.
وبينما يحاول كورتسكي تثبيت حكومته الجديدة، تبقى الأزمة الحقيقية في كييف مرتبطة بالسؤال الأكبر: هل تستطيع القيادة الأوكرانية الحفاظ على تماسكها الداخلي في حرب طويلة، أم أن الخلافات السياسية والعسكرية ستتحول إلى جبهة جديدة تهدد قدرة البلاد على مواجهة روسيا؟










